إذاعة موريتانيا الثقافية - الفتوة

الهول الحساني

الهول الحساني من أقدم التراث الموريتاني

            نصوص مختارة من شعر الحسانية

يختلف النقاد و الأدباء عادة على وضع معايير ثابتة لتفضيل نصوص من الأدب الحساني على أخرى، فمنهم من يطرب للقديم حيث هو ويرفض الحديث لحداثته ، ومنهم من يقدم اللفظ على المعنى ومنهم من يشترط السلاسة و العفوية ومنهم من يحبذ الصنعة والجزالة وهكذا هي سنة الله فى خلقه.....
إلا أننا نجد أحيانا استثناءا لهذه القاعدة من خلال اتفاق الذائقة الأدبية على الميول إلى نصوص محددة ، و دوام قرائتها و الاستدلال بها كنموذج جيد من نماذج الأدب و احيانا يعتبرون بعضها من "أمات لبتيت"
وسنقدم لكم اليوم مختارات من تلك النصوص التى يتفق الجميع على جودتها كما يتفقون على أصحابها رحمهم الله رحمة واسعة:

الشيخ امحمد بن أحمديوره

اشــــــمشان واشـگــعدن *** آن وانت هـــون أحدن
يلعـگــل افدار إعل مدن *** گبلت ســاحل واد احنين
ظحك كان اگـــعدن عدن *** ولكان امشـــــــين شين
ما فت آن وانـــت لثنين *** يلعـگل ابكــــين واشكين
واتمثنــــــــين فدار الين *** من حــق الدار اتنجين

الأديب محمد ول هدار

كلت عنـــك كـــهل عت *** أعنـــك كاع استــــكهـــلت
غير اكبيل امنين انشلت *** واتلاف عرش امن الزربَ
طرفك والعــنز ال كلت *** عنـــه ماه جــــرب جربَ

الأديب النابغة: مجمذفال بن سعيد بن عبد الجليل

من عاشور إلى البيظ أخيظ *** ذاك امن الشهر دهر اغليظ
راه اطويل ازمان واعريظ *** ما يكصف عن كد محزور
وكتن عاد الل عطب احفيظ *** نفس من والعطب اغرور
فالبيظ امنكـــــــفرل باكبيظ *** اللى عين فيه امن الصور
عت آن من عزت لكـــريظ *** للشــــهر واجبير المديور
نتاوك داير شــــــوف البيظ *** مزلت افكمرايت عاشور

الأديب الشيخ بن مكي

أغفــــرل يشــــفاع *** دهر امض من لوجاع
بجـَّـال عند اكراع *** لعجــول انخـوظ ازمان
اخلا گ فالتــــلياع *** هاذ والفــــكد ازمـــان
وأغفر دار ابلفراع *** ودويـــــــرت بنعمان
أغفــــــره هي گـاع *** أفصـــله فى الغفران

الشاعر ول سيد ول سيد أحمد

بهل أشــــرم ليل نتـخمم *** أوكفــــل راجل متلـــــثم
ديار الكــــرظ من لغـنم *** ســــولن عـن كامل سيك
كــــلت إن لغنم عند ذم *** ألا نمــــش ويــاه فطريك
ولل حانيـــــن نتــــخمم *** آن ياس عند امـــطاليــك
الحيوان أفذاك المكســم *** اذكرل حد افـذاك الـظيك
عن "لقوارب" ذوك أهل أشرم *** نزل فم أفسهوت لغليك
نفــــدهم عــــنك حــــكلل *** واتمثن فم الناس اصديك
ال تجــــبر غنـــــمك ولل*** تظبط بعد امنازل لفريك

الأديب محمد عبد الله بن محمد آسكر

يل ميـــت بيــــك التدبير *** من گلت عقلك گاع الخير
ما تختير اتموت أ تختير *** رزقك يتــــلاحـگ من كط
اعلم عنك يعطيك الخير *** لاه تخلــــــط ش ما يخـــلط
هو لعمر و الرزق اگداد *** هذا فالــلوح اگبـــــيل انخط
أگد امنين إعل واحد زاد ***ينخـــط اعل لوخر ينخط

النائب الشاعر الشيخ محمد لمين بن لمحيميد

هاذا لحسي الواكف حي *** كبلت مجحود فيه الطي
يامس أوكفت اعليه اشوي *** خرصت افـــطي وفيم ُّ
و ألا يحجــــل فيه احسي *** مرات أوكفت إعل فم

الأمير الأديب: سيدأحمد ول أحمد عيدَّ

شوف مشد إعل الانسان *** متن اركوب اعليه الشيطان
حد اكبير إخمم صهران *** ثلث اللـــــيل التال لخير
ماه صهران إعل أزوان *** ألاه صهران إعل تدبير
ألاه صهران افهم ازمان *** افــــشر اجيل ولل خير
ألاه زاد الحـــــــمد لله *** خايف من حد اعليه اغير
خايف حد إفوت ماراه ***أفات ذاك ال فيــــه الخير

بقلم : محمذباب بن أحمد امنِّ

الموسيقى التقليدية الحسّانية الطقوس..والهوية الجمالية المشتركة
23/09/2008

 

بقلم: ابراهيم الحَيْسن

 

أولا: تراثٌ شعبي موسوم بالمحلية

التراثُ الموسيقي والغنائي هو المخزون الثقافي للشعب ومادة ثقافية حيوية تعكس بصورة صادقة أحواله من خلال الفترات التاريخية التي مرّ منها، كما يجسد تأثيره في الأمم والمجتمعات التي ارتبط بها بعلاقات متنوعة(1)..مثلما أن الموسيقى هي "تعبير رمزي عن تمثلات الإنسان وتصوراته لذاته وللعالم من حوله، وهي من أكثر الظواهر الثقافية قدما ورسوخا في المجتمعات الإنسانية، اقترنت، في شكلها ومضمونها وتطورها، بمختلف الرؤى الثقافية والروحية والسياقات الاجتماعية والتاريخية التي أفرزتها، فأنشدت في أشكال المعيشة اليومية للمجتمعات التي شهدت ولادتها ونموها"(2). ويميّز أحد الباحثين العرب بين نوعين من التراث الموسيقي:(3)

- تراث الموسيقى الشعبية الذي هو حصيلة الممارسة التلقائية للغناء والعزف والرقص التي يؤديها أبناء الشعب البسطاء أو أبناء الطبقات الدنيا في المدن. وليس لهذا التراث تعليم خاص ولا فنانون محترفون بالمعنى الحقيقي. وترتبط الموسيقى الشعبية بعادات وتقاليد ومعتقدات، فهي تواكب دورة الحياة من الميلاد حتى الموت وترتبط بالمواسم والأعياد الدينية وغير الدينية والعمل، حسب طبيعة المنطقة. ويتم تناقل هذا التراث شفاهة، وآلاته الموسيقية بسيطة الصنع، مثل اليرغول والشبابة والمجوز، ويغلب على هذا النوع الطابع الغنائي.

- تراث الموسيقى الفنية التقليدية الذي يضم أنواعا من الغناء والعزف ولها صيغ محدّدة ومبدعون معروفون ويضم صيغا من الغناء التقليدي كالقصيدة والموشح والدور والموّال، ويضم صيغ العزف التي تشتمل على البشرف والسماعي والتحميلة والتقاسيم وآلاتها الموسيقية، وهي آلات دقيقة الصنع كالعود والقانون والكمان.

والغناء من الموسيقى، وهو كلام ملحن ومقفّى. جاء في اللسان(4): الغناء فن الصوت، فاطرب به، قال حميد بن ثور: عجبت لها أن يكون غناؤها فصيحا ولم تفخر بمنطقها فما وقد غنى بالشعر وتغنى به، قال: تغن بالشعر، أما أنت قائله، إن الغناء بهذا الشعر مضمار. وغنى بالمرأة تغزل بها..وغنى بالرجل وتغنى به، مدحه أو هجاه.

والأغنية الشعبية إبداع من انتاج عامة الناس و"وسيلة للتعبير تبرز من خلالها طموحات ومعاناة وإيحاءات الطبقة الأكثر ضعفا وتهميشا، كما تقوم بوظيفة التسلية والمتعة للطبقة المهمشة نفسها، ومن ثم فهي تلعب دورا أساسيا في حياة الفرد والمجتمع، إنها الموضوع الذي "يجسد المعتقد في أهميته"(5)..

كما أن الغناء الشعبي إبداع تقليدي "نعني به غناء العامة الذي لا يدوّن ولا يكتب ولا يذاع على الهواء، وإنما هو أهازيج تتناقلها الأجيال من شفة إلى شفة، بل تقرؤه في كتب الآداب أو صفحات المجلات، إلا في القليل النادر"(6)..
هذا الإبداع الشعبي الذي يقوم بوظيفة صمام الأمان للناس في أوقات الضيق، هو وسيلة من وسائل المرح والبهجة، بحيث يجدون فيه متنفسا لعواطفهم ومشاعرهم، وعلى ذلك، فالأغنية الشعبية لها دور في حياة الفرد والجماعة مما يكسبها أهمية داخل المجتمع(7)..

إنها أيضا "الكلمة والجملة أو القصيدة الملحنة التي تؤدي وظيفة فردية أو جماعة، اذلك فهي تختلف حسب المكان والزمان والمناسبة وتتخذ من اللغة المتداولة قناة تمرر عبرها ما يريد المرسل إبلاغه إلى السامع بكيفية عامة أراد هذا الأخير أم لم يرد.

ولا تتميز الأغنية الشعبية بأنها خاضعة لسيطرة فرد أو فئة معينة، وإنما هي ملك للجميع، وفي متناول الجميع، ولعل الطابع الشيوعي لها هو الذي نوّعها وجعل لها مجالات مختلفة، بحيث نجدها في الأماكن العامة والخاصة، المقدسة والمدنسة، عند الأطفال والشيوخ، والفساد والفقهاء(8)..

والأغنية الشعبية من الموسيقى التعبيرية المميزة للمجتمعات التقليدية، فهي "أكثر من فن وتقوم بدور اجتماعي وطقوسي مهم ولا يكون لها معنى إذا لم تكن واقعية، أي إذا لم تأخذ لها طابعا ثابتا ومعينا ينبثق من الواقع الاجتماعي، وهذا الواقع ينبثق من العلاقة الاجتماعية بين الفنان والمستمع أو المشارك، فهي علاقة اجتماعية بين شخصين كما هو الحال بين الشاعر والقارئ لشعره، أو بين رسام ومشاهد لرسومه. إن هذه العلاقة الاجتماعية هي علاقة تفاهم وشعور مشترك. وما ينتج عنها من تأثير فكري وديني ونفسي الذي يربط الفنان بالمجتمع"(9)..

وإضافة إلى ذلك، تعني الأغنية الشعبية "الإيقاع والنغم المصحوبة بكلمات يغنيها الشعب ورثها شفويا جيل عن جيل. إنها تعبير اجتماعي طبيعي لشعب معين، إن كون الأغنية الشعبية مجهول صاحبها، لا يعني أن الشعب كله هو الذي أنتجها، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الشعب لم يحتفظ باسم المؤلف (أو الملحن)، وأن نفس الأغنية – نتيجة استمراريتها شفويا- تخضع لتغيرات مع الزمن تفقد فيها الصبغة الفردية وتتحوّل تدريجيا إلى إنتاج جماعي"(10)..

والغناء (أو الهَوْلْ) في الثقافة الحسّانية، إبداع شعبي يرتبط بفئة اجتماعية تحترف هذا الفن وتعتاش منه، هي فئة الإيكاون- Les griots(11). فهو يشكل عند الحسّانيين نزعة تصوفية ويعتبر حضوره أساسيا لإحياء الأعياد والمسامرات الليلية والرقصات الفردية والجماعية وأثناء المناسبات الدينية (عاشوراء، مولد الرسول صلعم..)، ومختلف مظاهر الأفراح الاجتماعية كالولادة والختان والزفاف..وما إلى ذلك.

ويذكر أنه بالصحراء، قام المربطون بتحطيم الآلات الموسيقية ومنع الطرب والغناء، حيث كانوا يعتبرون هذا النوع من الأنشطة مفسدة للتفسخ والانشغال عن أداء العبادة والعمل..لكن سنين من الحكم المرابطي، شرع الفنانون في صنع آلات تساعدهم، كما يقولون، على الذكر ومذح الرسول (ص) متحايلين تحت هذا الشعار مختفين عن أعين المراقبة والسلطة المرابطية، لذلك اخترعوا آلة سموها (آلة الدين) وسموها الغناء (الهول)، أي الذكر الذي يذكرهم بهول وعذاب الآخرة(12)..

من الوجهة التعبيرية، يظل من المؤكد أن الأغنية الشعبية الحسّانية – وبحكم بنيتها الإيقاعية والنغمية- هي عبارة عن ترانيم وأصوات منظمة تنتج عن استعمال مجموعة من الآلات الموسيقية المتنوعة تسمى "الأزَوان" (تحريف للوزن والأوزان)، وذلك وفق نظام صوتي جمالي غاية في التوليف السمعي المنسجم..موسيقى تظل حاضرة باستمرار في ذاكرة ووجدان وحياة إنسان الصحراء ومصاحبة له في كل لحظات وجوده..في نبضات قلبه كما في خطواته، بل في الغناء والإنشاد وحَكايا الشعر لتصبح هي الأصل والفعل والحركة المتناغمة التي تعطي لوجوده معناه وحضوره الحقيقي..

وعن ولع الصحراويين بالغناء والطرب، نجد الباحث الليبي د. محمد سعيد القشاط يقول: "الصحراويون قوم طرب وغناء، يعقدون للطرب مجالس وندوات وسمرا. ينحرون لها النحائر ويولمون لها. تسمع فيها قصائد المديح والفخر وذكر الغزوات وبطولات الشجعان وينتقصون الأعداء ويهجونهم.

والمطربون الشعبيون (إيكاون) لهم مكانة مرموقة داخل الشعب ولدى المشايخ والأمراء، فهم مجموعة مدللة في الصحراء، لا يقدمون على أحد من الصحراويين ويردهم بدون رفد، تهدى إليهم البنادق والجمال والملابس والخيام، وحتى الإماء والخدم.

والمطربون يعرفون ذلك، فلا يطلبون شيئا، ويردون دون رغبتهم.. المطربون لسان حال القبيلة ووسائل إعلامها لدى القبائل الأخرى ولهذا هم مبجلون ومقدرون. إذا جاء المطرب للمخيم، تعلن الطوارئ بحيث لا يرى المطرب إلا كل حسن، ولا يظهر له الناس إلا كل جميل من القيافة والضيافة وأدب الأسرة وحشمتها، وزينة البنات وأدبهن، وحسن تقديمهن للطعام والشاي، إلى غير ذلك. ويستمر ذلك الوضع إلى أن يرحل المطرب عن المخيم، فيرفد بخير ما يرفد به الناس ويعطى له ما طلب، ويساير إلى خارج الخيام بعد الإلحاح على طلب بقائه مدة أكثر في الضيافة"(13)..
ولهذا النشاط الغنائي الحسّاني طقوس وممارسات خاصة تظل في طبيعتها جانبا من هوية المجتمع الحسّاني. فبعد دعوة الفنانين (الإيكاون)، يقوم صاحب الخيمة بتهيئ المكان وإعداده وتجهيزه بالأفرشة والوسائد الجلدية المزخرفة (أَصْرامى) وتذبح الذبائح ويتم إعداد الوليمة المكونة من اللحم المشوي وحليب النوق، فضلا عن إعداد الشاي الذي يعد طقسا يوميا لا محيد عنه..

كما يقوم الخدم، بخدمة الضيوف والمدعوين الذين يجلس المطربون قبالتهم ويشرعون في العزف والغناء. تبدأ السهرة الغنائية بالعزف على مقام (كَرْ) المخصص لذكر الله والرسول (ص)، قبل الانتقال إلى العزف على المقامات الأخرى (اظْهورتْ الهول) وإلى تناول موضوعات أخرى كالنسيب والفخر والحماسة، مثلما يقوم المعلمون (الحدادون) بأداء عروض الرقص وتشخيص، تمثيليات هزلية قصيرة مستعارة من التراث الشعبي الحسّاني وتقوم على نوع من البانتوميمية (المسرح الصامت) وتقليد الحيوانات والطيور، وحتى الحاضرين.

وخلال المراحل الأخيرة للسهرة، يعزف الإيكاون مقام لبتيت (آخر بحور الشعر الشعبي الحسّاني)، ومعناه البت (تصغيرا) أي القطع، وعندما يسمع المتفرجون العزف في هذا المقام يستعدون للانصراف لأنه يعبر عن نهاية السهرة (14)..

ويكاد يقرّ الكثير من المختصين، "أن علاقة الموسيقى بالشعر علاقة متداخلة متشابكة، مثلما يذهب البعض أن الإيقاع هو القاسم المشترك بين الفئتين. والمتعارف عيه أن العرب أوجدوا العديد من المصطلحات التي إذا تعمقنا فيها، نجد أن القول (الشعر) رفق "الغناء" يستلهمان دواخل الإنسان للتفسير عن حالات حياتية معايشة. فالموسيقى تصوير للذات وتحديد لما يعتمل فينا من أحاسيس متنوعة كما أن الشعر حالة تفجر تبدو فيها الذات البشرية وقد عمها الصفاء فيضيق الشاعر بهمومه اللحظة ويتيه معبرا عن الكوابيس والأحاسيس المختلفة.

ففن الغناء هو تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات إلى نسب منتظمة معروفة، يوقع على كل صوت منها توقيعا عند قطعه فيكون نغمة ثم تؤلف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متفاوتة فيلذ سماعها لأجل ذلك التناسب. وقد يصحب هذا التلحين في النغمات الغنائية تقطيع أصوات أخرى إما بالقرع أو بالنفخ في الآلات المتخذة لذلك فيحدث من ذلك لذة عند السماع"(15).

على هذه الخلفية الإبداعية، تظل من السمات الفنية المميزة للأغنية الشعبية الحسّانية هي ارتباطها بالشعر الحسّاني الشعبي، انطلاقا أولا من كون الشعر يسمى في الحسّانية بـ "لَغْنَ"، لذلك يطلق على الشاعر اسم: لمغني، وثانيا باعتماد مصطلحين متلازمين هما: لغن وأزَوان. فـ (لَغْنَ) مصطلح ذائع الاستعمال والتداول في مجال الإبداع الشعري الحسّاني، أما أزَوان فهو مصطلح فني يستعمل بصورة واسعة في الموسيقى، بحيث يعني الأصوات الناجمة عن الآلات الموسيقية التي يستعملها الإيكاون، إنه كذلك سلسلة من الأغاني والأنغام المنظمة والمصاغة على إيقاع نظام موسيقي معين.

في هذا السياق، نجد "بأن الأغنية الشعبية تحتل مكانا مهما في الشعر الشعبي وتنتشر انتشارا سريعا في العصر الحديث. ومن أهم خصائص الأغنية الشعبية هو الاتجاه المباشر والبسيط فكرا وشعرية باعتبار أنها لا تهتم بالملحمية أو الشعر الملاحم أو الفكر أو الذهن (الذهانة) وأغلبها ما يأتي في شكل شعري.

وقد ظهرت قديما أغنية العمل، وأغنيات السحر والسيمياء. قوامها الأشعار القديمة في الأدب القديم وفي العصر اليوناني، بحيث امتدت مساحة الأغنية من أغاني الشرف والحكمة حتى أغاني البكاء (الباكيات)، ومن أغاني الحب إلى أغاني الخمر والمعارك"(16)..مثلما أن الأغنية تؤلف نفسها وأن الشعر الملحمي على سبيل المثال لم يبدعه شعراء معروفون، ولكنه انبثق منذ زمن طويل بين الناس وشاع بلا وعي مثل اللغة"(17)..

فالأغنية الشعبية الحسّانية تقوم أساسا على تناغم الإيقاعات..هذه الإيقاعات، أو المقامات التي يُعزف عليها بالصحراء يسميها الإيكاون "اظْهورت الهول" ومفردها ظهر، وهو حركة مبنية على ثلاث طرق للغناء، هي: الجَانْبَ البيْظَ/ لبياظْ، الجَانبَ لْكحْلَ/ لكحال ولكنيديَّ، وهي مزيج بين الصنفين المذكورين وتتحدد بتحديد شد الأوتار وارتخائها..وبحور الغناء لا تتجاوز عادة أربعة، هي: كَرْ (بحر الفرح)، فاغو/ بحر الفخر والحماسة والزهو، سِنّيمة (مكون من لكحال ولبياظ) ولبتيت آخر بحور الشعر الشعبي الحسّاني ويسمى ببحر الحزن.

ويؤكد الباحث الصحراوي ذ. الدد محمد محمدنا بأن الموسيقى الشعبية الحسّانية تعتمد على "جانبة كحلة" و"جانبة بيضاء" تتوزع في كل فرع من المقام الواحد، ومثال ذلك في الجانبة الكحلة ، فمقام "انتماس" يمثل "اكحال كَرْ"، أما مقام "سيني كَرْ" فيمثل "بياض كَرْ"، وهكذا إلى آخر المقامات. و"لكحال" يعتبر الجانب الثقيل والمركب من المقام، بينما يمثل "لبياض" الجانب الخفيف والمرن منه.

مضيفا بأنها- الموسيقى الشعبية الحسّانية- تتأسس على الإيقاع بشكل كبير، وقد عرّف المتقدمون الإيقاع واعتبروه "جملة نقرات، يتخللها أزمنة محدودة المقادير، على نسب وأوضاع مخصوصة ، والنقرة هي مدة زمنية يتخللها إما صوت صادر من الحنجرة أو آلة موسيقية".

وقد جاءت الإيقاعات الحسّانية- يضيف الباحث الصحراوي- من الطبيعة الصحراوية الممتدة والشاسعة، ومن ذلك إيقاع الجمل وهو أشبه بالحداء ، وإيقاع الخيل وهو مستوحى من سير الخيل ، وإيقاع ضرب الوتد اثناء نصب الخيام وبنائها، وتُسمى هذه الإيقاعات بـ"أقَرانْ".

وتتقابل مقامات الموسيقى الشعبية الحسّانية مع أوزان وبحور الشعر الشعبي الحسّاني، فيقابل كل مقام موسيقي بحرا من بحور الشعر الشعبي، ويُغَنّى فيه. فمثلا نجد وزن لبتيت الشعري:

محمدْ مولانـا وَدّو .......................... أمنينْ اصْعَدْ ذيكْ الليْلَ
وابْتَجْ الخيرْ اعلى كَدو.......................... ماكَطْ انجبرتْ لُ مثيلَ

ففي كل طريق/ جانبة توجد خمسة اظْهور هي تجليات البحور الأصلية الخمس:(18)

* الطريق/ الجانبة الكحلة:
- كَرْ: كَرْ الطريق الكحلة اظهر يسمى انْتَماسْ.
- فاغُ: اظهر يسمى تنَجّوكَ.
- لكحال: اظهر يسمى هِيبْ.
- لبياظْ: اظهر يسمى مَقَجّوكَ.
- لبتيت: اظهر يسمى بيْكِ.

* الطريق/ الجانبة البيظه:
- كَرْ: كَرْ الطريق البيظة اظهر يسمى مَكَّ موسَ.
- فاغُ: اظهر يسمى اسروز.
- لكحال: اظهر يسمى التّحزام، أو انْيَامْ عند بعضهم.
- لبياظْ: اظهر يسمى لَكّتر.
- لبتيت: اظهر يسمى لعتيك.

* طريق لكنَيْديَّ:
- كَرْ: كَرْ الطريق الكحلة اظهر يسمى انوَفَّلْ.
- فاغُ: اظهر يسمى اشبارْ.
- لكحال: اظهر يسمىالموسطى.
- لبياظْ: اظهر يسمى مَنجَلَّ.
- لبتيت: اظهر يسمى بيْكِ المُخالِفْ.

ففي الموسيقى التقليدية الحسّانية- وكباقي الصنوف الموسيقية الإنسانية المماثلة- يجد الدارس أمامه مجموعة من المباحث التي تعد ضرورية لفهم لهذه الموسيقى. وهذه المباحث هي:

أ- المقامات الموسيقية:
- رصد كل مقام شعبي وتدوينه ومقارنته.
- إعداد سجل للمقامات المستخدمة في كل منطقة، أو جهة، أو ولاية.
- محاولة فهم كل مقام على حدة على ضوء المفردات الموسيقية التي تكونه.

ب- الضروب والأجناس والإيقاعات الشعبية:
- رصد كل إيقاع وتدوينه.
- إعداد سجل لكل إيقاع والتعليق عليه.

ج- القوالب الشعبية:
- رسم مبيان عام للقوالب الموسيقية، مع تمييز ما بقي منها وما اختفى.
- محاولة تحليل كل قالب موسيقي على حدة.

د- الاآلات الموسيقية:
- رصد كل آلة موسيقية على حدة، مع تدوين مواد وطرق صناعتها واستخدامها ومقاساتها الكلية والجزئية.
- تعزيز هذه العملية بصور ورسوم إيضاحية مرفقة بتعاليق مقتضبة.

هـ- العازفون المؤدون والمغنون:
- أنواع ومستويات الأصوات البشرية
- المهارات والأداءات.
- طرائق استخدام الآلات الموسيقية.
- الآلات الموسيقية وعلاقتها بالصنوف الفنية المؤداة.
- الأنغام والتوافقات اللحنية..إلخ.

ثانيا- الآلات الموسيقية الحسّانية:

للحسّانيين طقوسهم الشعبية الخاصة في مجال العزف وممارسة الغناء والطرب، والتي يعتمدون فيها بالأساس على استعمال مجموعة من الآلات الإيقاعية والهوائية والوترية التي أبدعوا وتفننوا في صنعها، اعتمادا على سنائد ومواد مستمدة من خامات البيئة الصحراوية كجلد الأغنام ووبر الإبل، من الخشب والتراب وغير ذلك كثير، ومن أهم هذه الآلات الموسيقية. نذكر:

1- الطبل عنوان الحنين إلى الماضي..

للطبل تاريخ عريق موغل في القدم، بحيث يعود إلى حوالي 6000 سنة ق.م. وكان يحظى بمكانة مقدسة عند قدماء السومريين والبابليين في بيوت الحكمة وفي الهياكل الدينية والموسيقى المدنية. فهو من أوسع الآلات الموسيقية وأكثرها انتشارا واستعمالا في القارة الإفريقية وذو أصول زنجية. يعتبر الطبل – أو التازوة كما هو معروف بالصحراء- من أهم وأقدم الآلات الايقاعية التي يستعملها المجتمع الحسّاني على نطاق موسيقي واسع. فهو يصنع من مواد الجلد والخشب وبخاصة أشجار تيشط وإكنين ويَطَّ والطلح المنتشرة كثيرا بالصحراء.. ويفضله الصحراويون كثيرا عن باقي الآلات الموسيقية الأخرى، لأنه يتيح لهم إمكانيات واسعة للحصول على مختلف الصنوف الصوتية في العزف.

ويسود الاعتقاد بأن جسم هذه الآلة مستورد من إفريقيا التي يشيع فيها استخدام هذا النوع من الآلات الموسيقية الذي يتم تغليفه بالجلد على مساحة دائرية قد يصل قطرها إلى 40 سم. ويشد هذا الجلد بخلق ثقوب على أطرافه تمكن من تثبيت ودعم المرابط والعقد بواسطة أوتاد خشبية صغيرة توضع في حواشي الفوهة، وقد تعزز هذه الأوتاد (أو تزين) بأشرطة وسيور جلدية سميكة.

يتم الضرب على الطبل في حالة جلوس - بعد أن يسند العازف كوعه على ركبته- مباشرة بكلتي راحتي اليد. وأحيانا أخرى برؤوس الأصابع وفقا للرغبة في الرفع أو التخفيض من الإيقاع.

والطبل هو "مجد القبيلة، ورمز قوتها، وخيمة شيخ القبيلة هي خيمة الطبل، والطبل يمثل راية الحرب والقبيلة التي يؤخذ طبلها في الحرب تحسب مهزومة، ويلحقها العار والإهانة.

وللطبل طرقات معينة لكل مناسبة، للحرب، للسلم، وللاجتماع ولضياع قافلة ولوصول قافلة وأيضا في الطرب وللطبل شخص يقرعه. ولا يقرعه سواه ويكون تحت نظارة الشيخ وقريبا منه، أما في الطرب، فتقرعه زوجة المطرب (تيكّيوْت) على أنغام الموسيقى والغناء.

ويصنع الطبل من جلد البعير، يربط على قصعة من العود، ويشد بحبل وتكون بأعلاه ثقوب لخروج الهواء عند القرع حتى لا ينفجر"(19)..

ومن الأشياء المتعارف عليها في الصحراء أن الطبل يستعمل كذلك خلال كافة الطقوس والمناسبات الاجتماعية والدينية والثقافية ذات الطابع الاحتفالي، كما يستخدم لإرسال مختلف النداءات والإشارات الصوتية لمسافات بعيدة. وكان الحسّانيون يدقون الطبول ويقرعونها كلما حل بهم خطر أو هددهم غزو، حيث توجد العديد من الشواهد المادية التي تدل على ذلك ومن بينها "حجرة الطبيلة" التي توجد عند مخرج مدينة السمارة في اتجاه ضريح الولي سيدي أحمد لعروصي، وعلى بعد حوالي 25 كلم، توجد كدية (جبل) تسمى "كور الطبل" (أو كور البرد راهنا) كان أهل الصحراء يصعدون إليها / إليه – قديما- لدق الطبول تحسيسا لساكنة المنطقة وإشعارا لهم بوجود خطر يهدد حياتهم.

2- النّيفارة..أو الإبداع في النفخ

"منذ أن قطعوا الناي من الغابة والناس يبكون ببكائه،
فهو يشكل آلام الفراق وصدره يمزقه الفراق،
لأن كل ما بعد عن أصله يطلب الوصال"..
جلال الدين الرومي(20)

النّيفارة، أو لكصيبة، هي الناي في قاموس الموسيقى الحسّانية إنها آلة مصنوعة من القصب المجوّف مفتوحة من الرأسين وذات صوت شجي. للكصيبة ستة ثقوب متقايسة في الوجهة الأساسية ومقسمة إلى مجموعتين تساويتين في الأبعاد، كما لها ثقب واحد في وسط الوجهة الخلفية.

وتعد آلة الناي من أقدم الآلات الموسيقية في الحضارة المصرية القديمة والتي ارتبطت بالمعتقدات الدينية، فهي من أقدم ما سجله الإنسان المصري القديم على جدران المعابد المصرية، وكذلك ما سجله الإغريقي القديم، وأيضا ما سجل في آثار الهند وإفريقيا من لوحات نحتتها الحضارات القديمة"(21)..

والناي في العصر الإسلامي، هو الناي الذي عرف تبعا للاسم الفارسي (ناي)، والذي حل محل الاسم العربي (قصبة، أو قصابة)، وهو لا يختلف من حيث الشكل والطول وعدد الثقوب وعدد العقل وطريقة العزف في الدولة الأموية والدولة العباسية. ونقل العرب موسيقاهم إلى الأندلس، وكانت آلة الناي أهم الآلات والإيقاع، وكانت تقدم في الاحتفالات الدينية ومصاحبة للغناء والرقص والأفراح والمناسبات. ثم اتسع استخدام آلة الناي في العصور التالية مثل العصر الفاطمي والعصر المملوكي في مصر (22).

فالكصيبة هي الناي..والناي هو الكصيبة التي هي أنيس الراعي بالصحراء في رحلة القافلة يبدد بصوتها الشاعري صمت الطبيعة وامتدادها الجغرافي الواسع ويملأ الفراغ المهول الذي يسمها..ومن خلال فتحاتها يصدر زفيرا يؤجج مشاعر السامع على إيقاع تسابيح الوجود (23)..

إنها – حسب ذ. هيام عبد الودود- "عبارة عن قصبة جوفاء، مفتوحة الطرفين من نبات الغاب، وقد استخدم قدماء المصريين هذه الآلة، وكان منها الناي القصير والطويل، وتتكون من تسع عقل بها ستة ثقوب على استقامة واحدة وثقب آخر في الخلف.. يخصص للإبهام. وتخضع صناعة الناي لخبرة الصانع في كيفية اختيار القصبة، وتحديد أماكن الثقوب تحديدا دقيقا، بحيث تصدر منها النغمات ونصف النغمات وثلاثة أرباع النغمات بدقة كبيرة. وعادة ما يستخدم العازف أكثر من آلة ناي لتغطية ما يحتوي عليه المقطوعة الموسيقية من نغمات مختلفة لا تكفي الآلة الواحدة لإصدارها".

ولأنها من العواويد (ج. عواد)، فإن لكصيبة تفيد العزف على البراعة بالنفخ. "فهي عبارة عن أنبوبة من القصب أو من النحاس، تثقب ثقوبا معدودة على أبعاد متساوية، نفخ فيها العازف مع تحريك أنامله على تلك الثقوب، وتسمى كذلك (الشبابة)، كما ذكرها ابن خلدون (المقدمة – 423)" (24)..

بذلك، تعد لكصيبة، أو الناي آلة "تعتمد على الطبيعة في مواد تصنيعها، هذه الآلة يحدث بها الصوت من خلال النفخ بقوة معينة في أحد طرفيها وبميل القصبة بزاوية محدودة وعلى حافة أحد أطراف القصبة المصنوعة منها، ومن خلال اندفاع الهواء من فتحة القصبة، يتكسر الهواء ويتخلخل في عمودها وينتج عن ذلك التخلخل ذبذبات تخلق طنينا يخرج من الطرف الثاني يشكل صوت الآلة، تلك هي آلية استخراج الصوت وكيفيته من آلة الناي أو أي آلة نفخ أخرى"(25)..

لكصيبة/ الناي..هذه الآلة الموسيقية الحميمية التي يستأنس بها رعاة الغنم (السرّاح) كلما شعروا بالاختناق الذي تولده العزلة والفراغ، قد ترمز إلى النفس المنفصلة عن أصلها الإلهي كما يجسد ذلك كلام شاعر الفرس الكبير جلال الدين الرومي (1207-1273): "إصغي إلى الناي يحكي ويشكو ويتعذب من ألم الفراق"، أو كما يقول بالحرف في ملحمته الكونية المشهورة: "إستمع إلى الناي، إنه يحكي قصة الفراق بين الروح والجسد".

يتم العزف على الكصيبة بوضعها على جانب الفم بطريقة مستقيمة، لكن العازف حين يرغب في تنويع النغمات اعتمادا على علامات التحويل (الرافع، الخافض..)، يلجأ إلى استعمال لكصيبة في وضعية مائلة سواء إلى الجهة اليمنى أو إلى الجهة اليسرى من الفم. وفي الحالتين معا، يحتفظ النافخ بهذه الآلة بكمية من الهواء في فمه ليستعين بها كلما دعت الضرورة الإبداعية إلى ذلك. وعادة ما يتحكم عازف لكطيبة في الكثير من الأحيان في شدّ حماس المستعين وتحريك مشاعرهم لما تتميز به هذه الآلة الموسيقية الهوائية من صوت شجي رخيم ينفذ بسرعة إلى داخل الوجدان.. مثلما يساهم في تنويع أداء الرقص بحسب مستوى إيقاع النفخ..

وتعتبر صحراء جنوب الجزائر من أهم المواقع لاستخدام الناي. ويعزف عليه رعاة الإبل. وإن الإنسان لا ينسى سماع ذلك الصوت الشجي الحزين ينطلق من فم وأصابع راع يجلس على ربوة عالية في أماسي الربيع أو ليالي الصيف المقمرة، بعيدا عن الخيام يبث شجونه وحده للسكون تصغي إليه الإبل ويتخذ من كثيب رمل فراشا ووسادة له (26)..مثلما أن الفرس أول من استخدموا آلة الناي بصور متقدمة، وأطلقوا على الناي اسم (ناي نارم)، أي ناي ذو صوت رخو بغرض المقارنة بينه وبين المزمار ذي الصوت القوي الصارخ الذي أطلق عليه اسم (صورناي)(27)..

وقد أنشد شاعر الفرس الكبير جلال الدين الرومي كثيرا في وصف الناي، ومن ذلك ما جاء في افتتاح مؤلفه المثنوي:(28)
استمع للناي عنـى وحكـى.......................... شفه الوجـد وهدرا فشـكا
مذ كان الغاب وكان الوطـن.......................... ملأ النـاس أنيــن شـجنا
أين صـدر من فراق مـزقا..........................كي أبث الوجـد فيـه حرقا
من تشرده النوى من أصـله.......................... يبتغي الرجعي لمعنى وصـله
كل ناد قــد رآنـي ناديا .......................... كل قومــي تحذوني صاحبا
ظن كل أنني خير سمــير .......................... ليس يدري أي سر في الضمير
أن سري في أنني قد أظـهر .......................... غير أن الأذن كـلت والبصـر
أن صـوت الناي نار لا هواء.......................... كل من لم يصـلها فهو هبـاء
هي نار العشق في الناي تثور ..........................وهي نار العشق في الخمر تفور
حدث الناي بأهوال الطـريق .......................... وعن الجـنون صبا لا يفيـق
أهل هذا الحس من لا حس له .......................... أرهف السـمع لهذه المعضـلة
ظلـت الأيـام في آلامـنا .......................... ليس إلا النــار في أيامــنا

3- الكدرة: آلة الرقص بامتياز..

الكدرة آلة موسيقية إيقاعية تتشكل من مادتين رئيسيتين هما: الطين المفخور-الإناء المدوّر الذي يشكل القاعدة (المجوّفة) والجلد الذي يغطي الفوهة والمثبت بأحبال تمر بالتناوب على كل الفتحات المشقوقة على حواشي الغشاء. يتم الضرب(أو النقر) على الكدرة جلوسا على الركبة باستعمال عودين دقيقين مستقيمين على إيقاع متحول يخضع لمستوى الأداء وترديد الأنشاد في (رقصة الكدرة)..

و"يطلق إسم (الكدرة) أصلا على ذلك الإناء الذي يتم استخدامه كأداة موسيقية وحيدة في (رقصة الكدرة), وهو عبارة عن جرة أو قلة من الطين يتم تحكيم فوهتها بقطعة من الجلد من أجل تكثيف الهواء داخلها. وبناء على قانون خاص، يتم الضرب على قطعة الجلد هاته بواسطة قضيبين من غصن شجرة، يحدث على إثره إيقاع موسيقي يميز الرقصة، وتسايره عملية التصفيق المستمرة"(29)..

إنها أيضا: "آلة يغلب إسمها على (رقصة الكدرة)، وهي عبارة عن طبل عريض مصنوع من الفخار ومغلف بالجلد، ينقر عليه بقضيب أو قضيبين"(30)..

فلهذه الآلة الموسيقية أهمية قصوى في الرقصة، يدل على ذلك – كما يقول الباحث عبد العزيز بن عبد الجليل- أنها سميت باسمها حتى بات عالقا بأذهان الناس أن الكدرة مرادف للطبل.

والكدرة من القدر، جمعها قدور، وهي لفظة وردت في القرآن الكريم: "وجفان كالجوابي وقدور راسيات" ( سبأ- 13 ). ويطلق العرب على القدر الصغير اسم الكفت/ بكسر الكاف, أما القدر المصنوع من الحديد أو النحاس, فيدعى المرجل. والسخام هو سواد القدر, والقدير عند العرب, هو ما يطبخ في القدر. وقيل ما يطبخ فيه من لحم بتوابل, فإن لم يكـن ذا توابل فهو (طبيخ ). والقدار: الطباخ(31)..

تندرج رقصة الكدرة(32) ضمن الفنون الشعبية ذات المنحى الحركي، مثل الرقص الصوفي وفن سباق الهجن (المعروف بـ "لَزْ لْبَلْ ") والألعاب الرجالية التي تعتمد توظيف الجسد داخل فضاء مستدير يسمى القام (أبرزها أراح وأردوخ)..وغيرها من الفنون الإيقاعية التي تجسد العلاقة الحميمية لإنسان الصحراء مع المكان والزمان.

يكون الرقص في هذه الرقصة من اختصاص الفتيات العازبات والنساء المطلقات (وفي حالات نادرة المتزوجات منهن، لكن دون أن يكشفن عن جوانب من أجسادهن) اللواتي تتكلف بإحضارهن وصيفة (خادم أو مْعلمة) بعد تهييئهن وتوصيتهن بعدم فتـح الأعين إلا وفق القدر اللازم الذي يمكنهن من رؤية ما بحولهن..فضلا عن تحريك الأصابع- التّكْسَارْ- انسجاما مع حركات الأذرع والتلويح بالضفائر وغير ذلك..

وتعتبر (رقصة الكدرة) من أشهر الفنون الإيقاعية التي تمارس بشكل شعبي بمنطقة وادي نون وامحاميد الغزلان ولدى المجتمع الدوبلالي بطاطا، فهي "تنتشر بين سكان منطقة واسعة تمتد من الحمادة شرقا عبر أقاليم درعة وزمور إلى الساقية الحمراء، وتكاد في واقعها اليوم أن تكون من خصوصيات مدينة كليميم حيث ترتبط بـ (الرجال الزرق)"(33)..

فبهذه المدينة، "اشتهرت منذ القدم رقصة الكدرة التي نجدها اليوم في مناطق أخرى من الصحراء كشكل فني يلبي حاجة القبيلة إلى السَّمر ويستوعب تعابير غنائية وراقصة وشعرية وطقوسية مختلفة، حيث يمزق صوت الطبل سكون الليالي الصحراوية الدافئة، وتبرز البشائر لليلة ممتعة مضيافة..

يشيع عند الكثير منا أن رقصة الكدرة تستمد اسمها من طبل الإيقاع الذي تنقره إحدى النساء فتزن به إيقاع الرقصة والجُمل الغنائية، ولا ضير أن يقوم بهذا العمل أحد الرجال الحاضرين. لكن الحقيقة غير ذلك، فكلمة الكدرة أو بالأحرى "الكادرة"، هي كناية عن المرأة القادرة ذات الشخصية القوية المؤثرة، ولا غرو أن يكون هذا المفهوم مطابقا لمنزلة المرأة الصحراوية في مجتمعنا منذ أقدم العصور..

وتصعد حرارة الإيقاع تدريجيا، فيقوم الحضور رجالا ونساء بالتوقيع باليدين وبالغناء، بينما المغني الأساسي يلعب بالطبل والراقصة جاثمة على ركبتيها..عيونها مسدلة تدخل في الإيقاع مستوعبة له ومجيبة بحركات الأيدي وتمايل الرأس، وهي امرأة ملتحفة تخفي وجهها وتبرز يدين مخضبتين بالحناء..

يسهم اللعب بالأصابع واليد والعيون ونصف الجسد الأعلى في تحديد مهمة الراقصة التي هي في الظاهر دنيوية وتنفيسية، وفي العمق رمز للأنوثة والخصوبة. تقود "الكادرة" رقصتها حتى الإعياء التام ( سواء تم ذلك بالفعل أم لم يتم حسب مقتضيات الحفل )، يجب على الإيقاع أن يكون قويا، به إلحاح ونبر والأصوات من الحناجر تقارب الصياح كلما قربت الراقصة من نهايتها.

وإذا كان عازف الطبل يقود الحصة إيقاعيا، فإنه يغني في نفس الوقت بتبادل مع مجموعة مختلطة من الرجال والنساء. ويستطيع صوت الطبل أن يحدث تعارضا بين صوته العميق وحدّة التصفيق. ويمتد التعارض كذلك إلى تزامن الثنائي والثلاثي بين وسيلتي الإيقاع: الطبل يؤمن إيقاعا قاعديا من 8/6 مزدوج المقاس ( ستة على ثمانية مضروبة في اثنين )، بينما اليدان تضربان مقاسا من ثلاثة أزمنة ثنائية.

وهذا ما يتيح للغناء المصاحب أن يكون تارة في تقسيم إيقاعي ثنائي، وتارة أخرى في تقسيم إيقاعي ثلاثي محققا تركيبا كاملا للنوعين من التقسيم الزمني.

ويستطيع عازف الطبل أن يرتجل إيقاعات مختلفة داخل الدور الإيقاعي القاعدي، معتمدا إخفاء هذا الأخير. أما الغناء، فهو في مقام خماسي يبدأ دون إيقاع في شكل نداء متنازل النغمات ويتبعه دور من أربعة مقاسات في وزن 4/3 ( ثلاثة على أربعة ) من فقرتين متناظرتين. وفي المرحلة التي تسرع فيها الرقصة، يتقلص الدور الإيقاعي إلى مقاسين فقط يستمدان بعض مضمون نغماتهما من الجملة الأولى ( واحد للمغني والثاني للمردّدين )، ونسمع بين الفينة والأخرى زغاريد للتشجيع"(34)..

فضلا عن ذلك، تعتبر الكدرة شكلا إبداعيا شعبيا ينحو فيه الأداء (الغنائي/الحركي) نحو ما يعرف بالعرض الجماعي الذي يقوم على الاستجابة الجماعية للغناء والرقص, وهما من التعبيرات "التي تجسد تعلق وحب الصحراويين للموسيقى والرقص أكثر من غيرهما من الفنون. ويختص الرقص بالنساء ويقتصر على سيدة واحدة تقوم بالرقص وسط حلقة من الرجال يحيطون بها ويشجعونها بالتصفيق ويرددون بعض اللوازم (الإسم العام لهذه الرقصة هو القدرة)" (35)..

وحين عاين الرحالة الإنجليزي جاكسون مشهدا احتفاليـا مـن مشاهـد هذه الرقصة الشعبية، كتب قائلا: "تقوم الفتيات العربيات بالرقص بطريقة بارعة جدا، وخصوصا نساء قبيلتي مغافرة وأولاد بوسبع العربيتين، فإني أتذكر أني أمضيت ليلة في ديارهم على أطراف الصحراء..عندما أرسل الشيخ في طلب ست فتيات ممشوقات شغلن إعجابنا حتـى الصباح، وهن يقمن بحركات تبدو ماجنة، غير أن تقاليد وعادات أهل البلد تستسيغ هذه الحركات الجريئة"(36)..

رقص ومسامرة..مسامرة ورقص..
ولعب على إيقاع موسيقى صحراوية تمنح الجسد مساحات واسعة للاحتفاء بذاته عبر القيام بإيماءات وحركات معبّرة وذات رمزية كوريغرافية عميقة..

في هذه الرقصة الشعبية المليئة بالفن والإبداع، تتصل الإيماءة بالصوت..ويتصل الصوت بالإيماءة في انسجام تعبيري مثير ينفذ بسرعة إلى الوجدان..رقصة استثنائية كثيرا ما انتزعت إعجاب الرحالة والزوار الأجانب الذين وفدوا في مناسبات متعددة على منطقتي وادي نون وامحاميد الغزلان..وغيرهما.

هذه الرقصة السحرية العجيبة التي امتازت بالمقومات الفنية الدقيقة، وسلبت لب المتفرجين الأوروبيين قديما وحديثا، "إنها رقصة "الكدرة" ونطقها بكاف معقوف أو جيم حسب النطق المصري. وهذا الإسم مشتق بلا ريب من "القِدر" الآنية الخزفية، لأن آلة التزيين فيها عبارة عن قدر أو جرة من الطين مغلفة الفم بالجلد، وينقر عليها بقضيبين بينما يصاحبها الحاضرون بالضرب الموزون على الأكف، وعلى مجموع هذه النقرات ترقص الراقصة وتتلوى متثنية، وتتشابك أصابعها ويتمايل رأسها وترقص ثم ترقص بحرارة وهي في غيبوبة، والحاضرون يسايرونها ويشاركونها نشوتها الفنية "الروحية"، وبعد الراقصة الأولى تتقدم ثانية، فثالثة، فرابعة، وكلهن في أبهى ملابس الصحراء بجنوب المغرب، الملابس ذات اللون الأزرق والتي تتدلى إلى الركبتين، وتزينهن الجواهر الفضية والعنبرية بهاء، وروعة وجاذبية"(37)..

تستغرق (رقصة الكدرة) مجموعة من الجولات الإيقاعية، وكل جولة تمثل في الأصل إنشاد ثلاث حمّايات وفق خط لحني يبدأ انفراديا (مونوفوني) ليصير متصاعدا حيث ينخرط في أدائه أفراد المجموعة. وقد يطول إنشاد الحمّاية مثلما قد يقصر تبعا لقدرة الراقصة على الاستمرار في الرقص..

مع أن الأساسي في ترديد هذه الأنشاد، هو الخط اللحني الذي تشترك في تقديمه الجماعة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه (الهيتروفونية-(Hétrophonie، أو "مغايرة النغم"، وهو نوع من التكثيف اللحني الذي نجده في اشتراك مجموعة في عزف أنغام مفردة"(38)..

وترتبط (رقصة الكدرة) بفضاء لعبها الدائري الذي تتوسطه الراقصة، وهو فضاء يطلق عليه الحسّانيون اسم: "الكارة" الذي يعود الاشتقاق اللفظي فيه إلى المصطلح اللاتيني: Agora (39) الذي يعني الساحة ذات الشكل الدائري، وقد يضيق هذا الفضاء مثلما قد يتسع بحسب عدد المشاركين (من الرجال والنساء) في الآداء الجماعي المميز لهذه الرقصة الشعبية..

فحتى الكدرة / الإناء بشكلها المستدير تظل محملة بالعديد من الرموز والأدلة ذات المنحى الصوفي، ففكرة الدائرة – كصورة رمزية للخلود وكشكل هندسي تام لا بداية ولا نهاية له- تحيل على الحركة والحياة البشرية التي تعبر عنها الراقصة في دورانها حول ذاتها..كما أن الغشاء الجلدي الذي يغلف فوهتها، يرمز إلى الانتماء البيئي (جلد الغنم أو البقر، أو وبر الإبل..)، إضافة إلى أن الضربات التي تؤدى عليها بالقضيبين تختزل أصواتا إيقاعية متناغمة بالغة الاتصال بالأرض والجذور..

4 - التيدِنيت: جمالية النغم.

من بين أهم الآلات الموسيقية التي شكلت طويلا المصاحب الرئيسي للشعر الحسّاني، توجد آلة التيدِنيت، وهي خاصة بمجتمع الرجال، لها أربعة أوتار ناعمة وحساسة عند اللمس تصنع من شعر الخيل. يسمى وتراها الأوسطين المهرين، مفردها مهر، بينما يسمى الوتران العلوي والسفلي "تيشط" أقصر من الأولين..

تصنع التيدِنيت من شجر الأدرس، وتتكون من المرنان، الذي يسمى تازوة، وهو حجم بيضوي مجوّف ومغلف بالجلد توجد في أحد جانبيه فتحة دائرية يتم فيها ربط الطرف الفلي للمقبض وشده وتثبيته في جسد الآلة، وعلى الطرف العلوي للمقبض، توجد قطعة معدنية تسمى (لحربة) محاطة بحلقات نحاسية أو فضية (لخرس)، كما هو بالنسبة للقيثارة.

وبحسب الباحث ممد سعيد القشاط، فإن آلة التدنيت "تصنع من قدح مستطيل يغطي وجهه بجلد بقر أو جلد شاة، وتشد في جانبه عصا طويلة يتجاوز طولها المتر أحيانا ويربط عليها أربعة أوتار من شعر ذيل الحصان أو من النايلون (حاليا). وقد تحمل خمسة أوتار. ويسمى الوتران الطويلان (الأمهار)، أما الوتران القصيران فيسميا (التيشبطن)، ويعزف عليها الرجال".

تثبت أوتار التيدِنيت بالطرف العلوي للمقبض بواسطة حلقات جلدية في أبعاد ومستويات متقايسة، لتمتد فوق الجلد المرنان/ تازوة لتشد إلى الطرف السفلي. لذلك تعد آلة التيدنيت" أقرب إلى هيئة العود من حيث الشكل، فهو تشد عليه أربعة أوتار وينقر عليه بلوح من العظم يشد في خاتم جلدي يولج في سبابة اليد اليمنى. ويختص الرجال باستخدام آلة التيدنيت في موريتانيا، بينما تختص النساء بها في باقي الدول الإفريقية"(40)..

يقول الشاعر الحسّاني متغنيا بآلة التيدِنيت (وجمعها التيدَناتن):

لاحَكْني ندخل تِيكَّ ..........................فيها أزَوان يفاتنْ
بين إيكاون والتيكـّ. .......................... واتن والـتيدَناتنْ

وكما هو الشأن بالنسبة للأرْدين وغيره من الآلات الوترية الأخرى وغيرها)، تتميز آلة التيدِنيت – من الوجهة المظهرية – بالكثير من النقوشات الحقيقية والزخارف الملونة التي تعطي جل السطوح التي تكونها.

فآلة التيدِنيت مشكلة أساسا من مادتين رئيسيتين هما الخشب والجلد، مما يجعل الاشتغال عليهما (تشكيليا) سبقا حِرفيا (بكسر الحاء) على هذا المستوى، يساعدهم في ذلك توظيفهم لصبغات ومساحيق لونية محلية ذات جودة وفاعلية عالية.

على سطوح التيدِنيت نقرأ جانبا من الإضافة الإبداعية، ونتعايش بصريا مع بصمات جمال صحراوي يعكس في بنيته شيئا من مخيلته إنسان الصحراء ويبرز مساحات من ثقافته التشكيلية ووعيه الجمالي الذي ينهض على تكوين فطري وعصامية مطلقة لا تخلو من إبداعية – Créativité..

التيدِنيت، فضاء جمالي(41) تتلاعب فيه الخطوط والأشكال والكتل اللونية وتمتزج وفق نظام زخرفي ينسجم في الكثير من الاستعمالات مع الترانيم والايقاعات الموسيقية الناجمة عن العزف على التيدنيت، الشئ الذي يجعل من الشكل والوظيفة حوارا حميميا بين التشكيل والموسيقى..والموسيقى والتشكيل..

5 - الأرْدين: العزف بأنامل النساء..

خلافا للتيدِنيت الرجالية، تظل آلة الأردين الوترية حكرا على مجتمع النساء المغنيات (تّيكَواتنْ، ومفردها تيكّيوْتْ)، وهي عبارة عن قطعة خشبية مجوفة ذات هيئة مكورة مغطاة بالجلد المشدود بأحزمة جلدية متينة مكونا ما يسمى "المرنَانْ" (الطبل)..وعلى السطح توجد قطع معدنية محاطة بحلقات نحاسية –لخراسْ- تساهم في النقر وتنويع الصوت.

وإضافة إلى ذلك، يوجد عمود مثبت. بحاشية الطبل في وضعية مائلة لشد الأوتار التي يختلف عددها من ثمانية أوتار إلى ثلاثة عشر وترا والمصنوعة من (لعصب)، وهي من أمعاء الغنم تشد الأوتار إلى (لحربة) المحاطة بالحلقات، أي حول الذراع المستعرض فوق (تامونانت)، وهو ظهر الطبل..

تصنع آلة الأرْدين "من قدح الكوز ويغطي فوهه بجلد الغنم وتشد عصا طويلة قرابة المتر وتشبه آلة التيدنيت. وهذه الآلة لها أوتار واسمها مشتق من (آلة الدين)، إذ أن المرابطين كسروا آلات الطرب والموسيقى وحرموا الغناء لأنه من مظاهر الفساد الاجتماعي. فتحايل المطربون بهذه الآلة على أساس أنها تساعد على ذكر الله ومدح رسوله. وتعزف النساء على الأردين"(42)..

ويعرف ذ. عبد العزيز بن عبد الجليل الأرْدين بقوله: "الأردين آلة تبدو على هيئة قيثارة ذات قضيب قائم على نصف قرعة مجففة ويشد عليها ثلاثة عشر وتر تنقر عادة بظفر اليد. ويختص بعزفه النساء في موريتانيا عكس ما يجري في الدول الإفريقية المجاورة"(43)..

هو ذا الأرْدين: آلة موسيقية وترية تلعب عليها النساء بأناملهن الذهبية، حيث يرسمن بها أصوتا منغمة وألحانا عذبة تتمايز قيمتها الجمالية بحسب السلاليم والبحور التي تؤدى على إيقاعاتها، أبرزها لبتيت، آخر بحور الشعر الشعبي الحسّاني الذي تقل فيه الحركة ويسوده الهدوء والصمت..وهي ذي الموسيقى التقليدية الحسّانية: إبداع شعبي وعنوان للذاكرة..وللوجدان الجمالي الصحراوي المشترك..
----------------------------
* ساهمنا بموجز هذه المقال – مدعم بصور إيضاحية" ضمن الندوة الدولية: "موسيقى العالم والتنوع الثقافي" إلى جانب نخبة من المتخصصين الدوليين في علم أصول الموسيقى، وذلك بمناسبة تنظيم مهرجان موازين بالرباط/ المغرب خلال الفترة الممتدة ما بين 18 و 25 ماي 2008.

هوامش:
1- أ. د. صالح رضا صالح مصطفى رضا: التنوع في التراث الموسيقي المجلة العربية للثقافة – ملف التراث والموسيقى العدد الثامن والأربعون / السنة الرابعة والعشرون تونس/ دجنبر 2005 (ص.71).
2- أ.د. محمود قطاط: واقع الموسيقى العربية وتحديات العصر المجلة العربية للثافة / م.م. (ص.17).
3- ذ. ساهر أحمد ياسين: إحياء التراث الموسيقي في الوطن العربي
المجلة العربية للثقافة- خاص عن التراث والموسيقى/ العدد الثامن والأربعون- السنة الرابعة والعشرون/ دجنبر 2005 (ص.108).
4- لسان العرب للامام العلامة ابن منظور (630– 711 هـ) مادة: غنا – 15/139.
5- علال ركوك: الغناء الشعبي المغربي / أنماط وتجليات منشورات جمعية أسفي للبحث والتوثيق _ الطبعة الأولى 2000 (ص. 13).
6- د.عبد الرحمان عيسى أحمد. مجلة العربي / منشورات وزارة الاعلام بالكويت / العدد 245/1979.
7- أحمد مرسي: الأغنية الشعبية المكتبة الثقافية – 1970 (ص.).
8- إدريس كرم: الأدب الشعبي بالمغرب (الأدوار والعلاقات في ظل العصرنة) – منشورات اتحاد كتاب المغرب/ الطبعة الأولى 2004 (ص.26).
9- ابراهيم الحيدري: إثنولوجيا الفنون التقليدية الطبعة الأولى- اللاذقية / سوريا 1984 (ص. 87).
10- محمد توتالي: الأغنية الشعبية وأغنية الشعب مجلة الثقافة الجديدية – العدد الثاني عشر – السنة الثالثة 1979 (ص. 164).
11- فئة من المغنين والمطربين يطلق عليها البيضان تسميات عدة من أكثرها شيوعا "إيكاون" و"الشعَّار"، وهذه الفئة قليلة العدد رغم أن كايي- Caillé يذكر أن أفرادها كثيرو العدد بين صنوف البيضان.
ويرتبط المطربون خاصة بفئة حسّان. وتعتبر مهمتهم الأساسية تمجيد أمراء وزعماء هذه الفئة والتغني بأمجادهم وانتصاراتهم العسكرية.
ولهذا الغرض طور المغنون فن "اتهيدين"، وهو عبارة عن قصائد حماسية من الشعر الشعبي ذات بنية لغوية وموسيقية متميزة تمجد هذا الأمير أو ذاك وتشيد بشجاعته وبطولته وسخائه إلخ.. وكثيرا ما تنشد هذه القصائد الخاصة في بعض المناسبات كالحروب والمعارك والأعياد..
ويتوفر كل أمير في العادة على مطرب خاص به يعيش في بلاطه ويتبعه حيثما حل. ويذهب كايي-Caillé إلى أن المطربين الذين يرافقون الأمراء يحصلون منهم دوما على كل ما يطلبون بالتملق أحيانا وبالتهديد أحيانا أخرى..
ورغم أن هذه الشريحة الاجتماعية لا تحظى بتقدير العديد من فئات المجتمع البيضاني، فإنها تفرض نفسها على الجميع –خاصة الزوايا وحسّان- وذلك بفضل سلاح الفن الذي تمتلكه – فالبيضان يسعون إلى كسب ود المطربين عن طريق العطايا المتعددة تفاديا لانتقاداتهم اللاذعة وسعيا إلى إرضائهم وجلب مديحهم إن أمكن.. - ذ. محمدو بن محمذن: المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر / قراءة في الرحلات الاستكشافية الفرنسية).
- منشورات معهد الدراسات الإفريقية بالرباط –2001 (ص. 292).
12- د. محمد سعيد القشاط: صحراء العرب الكبرى دار الرواد للطباعة والنشر والتوزيع ودار المتقي للنشر الطبعة الأولى – طرابلس / ليبيا 1994 (ص.242).
13- محمد سعيد القشاط/ م. م. (ص.239).
14- نفسه (ص. 243 و 244).
15- مصطفى المدائني: الشعر..الموسيقى/ وواقع الأغنية العربية
مجلة فنون- العدد الثاني/ تونس 1984(ص. 122 و123).
16- كمال عيد: فلسفة الأدب والفن الدار العربية للكتاب – تونس 1978 (ص. 49).
17- خورشيد ابراهيم زكي: الأغنية الشعبية والمسرح الغنائي / ص.8.
18- المختار ولد كاكيه: كيف تتعلم بدون معلم
منشورات جريدة رجل الشارع- كتاب رجل الشارع رقم 1 (ص. 76 و77).
19- محمد سعيد القشّاط: صحراء العرب الكبرى
دار الرواد للطباعة والنشر والتوزيع ودار المتقي للنشر الطبعة الأولى – طرابلس / ليبيا 1994 (ص. 240).
20- جلال الدين الرومي ( 604 هـ – 1207 م إلى 672 هـ – 1273م).
شاعر تركي مشهور ومؤلف المثنوي، ويعد أول من كتب الشعر باللغة التركية بهدف استخدامه لإشاعة فكرة الصوفي بين مريديه.
21- عاطف إمام فهمي: آلة الناي في الموسيقى الدينية الإسلامية المصرية – مجلة الفنون الشعبية العدد 72 – 73 / أكتوبر - مارس 2007 – القاهرة ( ص 89 ).
22- قدري سرور: آلة الناي وبتطوير أسلوب العزف عليها رسالة فاجستر غير منشورة – كلية التربية الموسيقية – جامعة حلوان / القاهرة 1979 (ص . 136).
وأيضا: مجلة الفنون الشعبية / م.م ( ص. 92).
23- صفوت كمال: قصبة الغاب الموسيقية بين الواقع والأسطورة بحث منشور ضمن فعاليات المهرجان الثالث للفنون الشعبية ( فنون آلات الغاب) – الندوة العلمية – العريش. 1994 ( ص. 3 و4). وكذلك: مجلة الفنون الشعبية مرجع مذكور ( ص. 90).
24- أحمد بوزيد الكنساني: أحواش، الرقص والغناء الجماعي بسوس (عادات وتقاليد) – الطبعة الأولى 1996 (ص. 118).
25- د. يوسف الرشيد: الموسيقى والإنسان جريدة الفنون الكويتية – العدد 16 أبريل 2002 (ص. 40).
26- صحراء العرب الكبرى / م.م. (ص.241).
27- محمد محمود سامي حافظ: تاريخ الموسيقى والغناء عند العرب مكتبة الأنجلو – القاهرة، 1971 (ص.26).
وأيضا: مجلة الفنون الشعبية / م.م. (ص. 92).
28- أحمد محمد الشنواني: كتب غيرت الفكر الإنساني / الجزء السابع – الهيئة المصرية العامة للكتاب / القاهرة، 1996 ( ص. 258).
29- محمد جوماني: بعض سمات " المقدس" في "رقصة الكدرة "
مجلة المناهل – العدد 58 / الرباط- مارس 1998 (ص. 427 و428 (..
30- عبد العزيز بن عبد الجليل: الموسيقى الشعبية المغربية
مجلة الفنون: العدد الأول- السنة الخامسة رمضان 1398- غشت 1978 )ص. 56(..
31- يرجى الإطلاع على:
- الثعالبي: فقه اللغة )ص. 74, 370, 377(..
- جواد علي: المفضل في تاريخ العرب قبل الإسلام 4/670-7/567
عن: د. سليمان محمود حسن: الأواني الخشبية التقليدية عند جزيرة العرب
مدخل لدراسة الفولكلور العربي – الطبعة الأولى 1989 )ص. 51(..
32- تشبه رقصة الكدرة "رقصة الثعبان" التي تمارس بشكل شعبي واسـع لـدى قبائـل Kalbeliyas الهندية، وفيها "تبرز النساء بشكل لافت للنظر في منافسة الأفعى في أدق حركاتها وخفتها.و هن يؤدين هذه الرقصة الشهيرة بلباس أسود يحيل إلى الكوبرا و يتمايلن بخفة متناهية كزوبعة متراجعة و بحركات الساعد في وضع يذكر بانتصاب الكوبرا. تمشي الراقصة وسط جموع المعجبين و كأنها حية تسعى ترهبهم وتسليهم في آن واحد تبدو غاية في الرشاقة في ثيابها المزركش الذي تعايشت فيه شتى الألوان وهي ألوان جلد الكوبرا نفسها " ( لحسن موهو: رقصة الكوبرا.. مانفيستو الجسد- بتصرف عن مجلةLes grands reportages عدد 254- مارس 2003- جريدة الفنون الكويتية – العدد الرابع و الثلاثون – أكتوبر 2003_ ص.37)..
33- عبد العزيز بن عبد الجليل: الممارسات الموسيقية في الأقاليم الصحراوية المغربية. مجلة مناهل-عدد مذكور (ص. 419)..
34- أحمد عيدون: الرقصات الحوارية
الواحة الفنية/ جريدة الصحراء المغربية- السبت 06 مارس 1999.
35- محمد الغربي : الساقية الحمراء- وادي الذهب
الجزء الأول- دار الكتاب/الدار البيضاء (ص. 159)..
36- Jackson An account off the Empire off Morocco and the district of suse/
London 1809 (P 159).
يرجى نظر: مجلة التراث الشعبي- العدد 12- السنة العاشرة بغداد 1979 (ص. 49)..
37- عبد الله شقرون: ألوان من الفنون المغربية
الطبعة الأولى – الدار البيضاء 2003 (ص. 68).
38- د. سمحة الخولي: التراث الموسيقي العربي وإشكالية الأصالة والمعاصرة
مجلة عالم الفكر- العدد الأول/المجلد الخامس والعشرون شتنبر 1996 (ص. 123)..
39- ومنها ذاع استعمال لفظة Agoraphobie في قاموس التحليل النفسي التي تعني بالحرف: رهاب الخلاء، وهو خوف مرضي من الفضاءات الواسعة والساحات العمومية..
فـ Agora, تعني كذلك المدن اليونانية على غرار Forum التي ترتبط بالمدن الرومانية.
يرجى نظر:
- Metraux Guy P.R. : L’Espace publique dans l’antiquité
L’Agora grecque et Forum romain,
In. Culture n°4- Les presses de l’UNESCO et la Baconnière, 1978.
- Lévy Strauss : Le cru et le cuit
Paris- 1964, p. 343.
وكذلك: دراسات لسانية حول التراث والفولكلور الشعبي في الوطن العربي.
إشراف دليلة مرسلي/ ترجمة سليم قسطون- الطبعة الأولى/ بيروت- لبنان (ص. 10)..
40- H. NorisM the shengiti, Folk literature and song – Oxford, 1968.
يرجى نظر:
عبد العزيز بن عبد الجليل: المشترك في مجال النغم والإيقاع بين المغرب والشعوب الإفريقية المجاورة. منشورات معهد الدراسات الإفريقية بالرباط – 1995 (ص.37).
41- واردة ضمن مقالنا: المسواك والتيدنيت جريدة الإتحاد الاشتراكي - عدد 6744 /26 يناير 2002.
42- صحراء العرب الكبرى / م.م. (ص. 241).
43- تقرير الوفد الموريتاني إلى المؤتمر السادس للموسيقى العربية ليبيا / مارس 1979 – وارد ضمن مرجع مذكور.

إضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة موريتانيا © 2015
 

عن الموقع

تهدف الإذاعة لترسيخ القيم التي أقرها دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، والرقي بالثقافة والتراث الموريتاني إقراء المزيد ...

القائمة الرئيسية