مدن القوافل.. دراسة في التاريخ الحضاري والنظم العمرانية للمدن التاريخية الموريتانية
«ودَّان».. محطة تجارية ومركز للتسويق
يحيي بن محمد بن أحريمو

نواصل حديثنا عن التاريخ الحضاري والنظم العمرانية للمدن التاريخية في موريتانيا ونتناول في هذا العدد مدينتين كانت لهما الشهرة الواسعة قديماً تجارياً وثقافياً، وهما مدينتا ودان وشنقيط.
أ- ودان: تقع ودان في ولاية أدرار شمال موريتانيا على مسافة 500 كلم شمال شرقي نواكشوط وهي بذلك تقع على الطريق التجاري القديم الرابط بين أوداغست وسجلماس. كان في موضع ودان قرى بدائية صغيرة لقبيلة مسوفة المرابطية المشهورة ثم ورد عليهم حسب الروايات المحلية ثلاثة رجال قادمين من الحج وهم:
- الحاج عثمان المخزومي
- الحاج يعقوب الفهري
- الحاج أعل اللمتوني
وهؤلاء الرجال أجداد قبيلة إدوالحاج التي تعمر القرية إلى اليوم وتنسب إليهم الرواية تأسيس قرية ودان سنة 536 ثم لم تزل القرية تكبر ويتزايد عمرانها حتى أصبحت منذ القرن الثامن أهم مدن آدرار وأكثرها نشاطاً وثقافةً.
والراجح أن الحجاج المذكورين كانوا من مسيري القوافل بين الصحراء ومدينة أغمات ومراكش المغربيتين ومن هنا وقع اختيارهم على ودان فأنشؤوا بها محطة تجارية ومركزاً للتسويق(1).
ولأهمية ودان ونشاطها الاقتصادي في القرن 8 و9 فقد أخذت شهرة كبيرة حتى صار اسم ودان يطلق على منطقة آدرار وشمال موريتانيا كله في بعض المصادر العربية(2).

النشاط التجاري

وكان للودانيين من إيدولحاج ومسوفة نشاط تجاري على طول الطريق الرابط بين ودان وتنبكت ومدينة تكدة الواقعة بجمهورية النيجر ولتسيير التبادل والمشاركة في جميع الأسواق فقد قام الودانييون بتوزيع سفراء ووكلاء تجاريين في جميع المراكز الواقعة على هذا الطريق فأصبحت لهم جاليات في تشيت وولاتة وتكدة وكاو(3).
وقد عرف عن أهل ودان التفاني في التعاون والتعاضد إلى درجة «الشراكة»، في كل صغير وكبير.

النشاط الثقافي

كان العلماء الودانيون عبر اتصالهم بتنبكت أول من نقل المقررات الثقافية والعلمية التي ترجع إلى العصر الوسيط والتي أنشأها علماء مصر والشام إلى مدارس موريتانيا مثل «مختصر خليل» و«ألفية ابن مالك» و«جمع الجوامع» للسبكي في الأصول وشروح المختصر، تلك المؤلفات التي كانت المرجع الأول للدراسة والتفقه خلال القرون الأخيرة في عموم المنطقة.
ومن هنا فإن معظم الأسانيد الفقهية(4) في المدن والبوادي الموريتانية تمر بعلماء ودان.
وقد أدت الحروب والقلاقل التي شملت منطقة آدرار في القرن الحادي عشر إلى خراب قريتي تفرله وتمكونة المسوفيتين المجاورتين لودان وهاجر سكانهما إلى سينغال كما هاجر معظم سكان ودان من إيدو الحاج إلى القبلة وولاية لعصابة في فترات أخرى وبحلول القرن الثالث عشر لم يبق في قرية ودان إلا جزءا صغيرا من سكانها وتحولت إلى قرية هامشية صغيرة ولله في خلقه شؤون.

ب- شنقيط

تقع مدينة شنقيط بولاية آدرار شمال موريتانيا، وهي منطقة جبلية تملك كثيرا من مقومات الاستقرار، حيث تكثر الواحات وتزدهر زراعة النخيل والقمح وغيرهما، وقد شهدت هذه المنطقة قيام دولة المرابطين 430-470 هجرية، وهي الدولة الإسلامية المشهورة التي قضت على بقايا الوثنية، وفلول الخوارج في موريتانيا وامتد حكمها إلى المغرب والأندلس.
فشنقيط مدينة قديمة تأسست في القرن السادس الهجري بعد فتح المرابطين للمغرب.
والراجح أن قبيلة لمتونة هم الذين أسسوا شنقيط، بدليل أن كثيراً من العشائر اللمتونية لا تزال محتفظة بذكريات عن ماضيها في هذه المدينة مثل، تندغه إدكجملة وإدوعيش من قبائل موريتانيا الحالية (5).
وقد شهدت شنقيط اضطراباً وفتناً مطلع القرن التاسع، وأدت هذه الظروف إلى هجرة كثير من سكانها إلى البادية، كما أدت إلى هجران المدينة القديمة وقيام المدينة الحالية في مكان قريب من أطلالها.

محطة القوافل

كانت شنقيط منذ تأسيسها محطةً للقوافل ومركزاً للتجارة الصحراوية وسوقاً ومورداً، كما اشتهرت بمكانتها العلمية والثقافية المهمة، وخرج منها علماء كبار من أشهرهم العلامة محمد بن المختار بن الأعمش العلوي (ت1107هـ)، ومنهم العلامة الأديب سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي (ت1144هـ) وغيرهم (6).
ومنذ مطلع القرن الحادي عشر أصبح ركب الحج الشنجيطي (كما ينطقها أهل موريتانيا) أكبر ركاب الحج الصحراوية وأهمها، فكان ينضم إليه كل من يريد الحج من أهل البوادي والحواضر الأخرى، حتى عرفت البلاد الموريتانية جميعها في المشرق الإسلامي ببلاد شنقيط، وعرف سكانها بـ«الشناقطة» وهو الاسم الذي لا يزال مستعملاً في السعودية والخليج حتى اليوم(7).
ولا تزال قرية شنقيط محافظة على كثير من معالمها الحضارية، كمسجدها الجامع ومقبرتها التي دأب السكان على تدوين تواريخ الوفيات على شواهدها، وهو تقليد متبع قديماً في المدن الإسلامية.>

المراجع

(1) نزهة المشتاق للجغرافي العربي محمد بن علي الإدريسي ص45.
(2) انظر: العبر لابن خلدون ج6ص79 ط دار الكتب العلمية1413.
(3) يمكن الرجوع في هذا إلى تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي.
(4) فتح الشكور في تراجم العلماء الموريتانيين لمحمد بن أبي بكر البرتلي الولاتي ص58 ط دار الغرب الإسلامي.
(5) انظر تاريخ السودان للسعدي ص22.
(6) الوسيط في أدباء شنقيط لأحمد بن الأمين الشنقيطي.
(7) صحيحة النقل في أخبار إيدوعلي والأغلال للعلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي مخطوط.