إذاعة موريتانيا الثقافية - الفتوة

أرواية

يوميات البادية: يوم “الرواية”

الرواية والوردة معربتان عن الري والورود ،وفي هذا السبيل تعشوشب اللغة الملحونة بسمات الفصحى مخضلة بمصطلحات لغة أزير لتؤلفا معا معجم الري والصدر .

في المثل العربي :المورد العذب كثير الزحام .

وفي المثل الحساني:الماء ما يثقل ،وماء التراب زاقي.

لقد طوى نفاد الماء أغلب الركى، فعلقت كالكتب في جذوع الشجر منتظرة الورد القادم ،وراد هذا الحي كله هو( ابيهيم) الذي يخطم الجمال باكرا والطيور تعلن فرحتها بالشروق ،ويختار جملا يحزم فوق ظهره كل القرب اليابسة، ولا ينسى أن ينادي على صبي من الصبيان ليناوله (المحكن)، والدلو، وحبل الرشاء، ثم يلتقط عصاه، ويشد لثامه ،وينطلق ونظرات الأطفال تشيعه، وتغبطه على حاله السعيد .

ليس من مناقب الرجولة الفخورة ركوب الجمل قرب الخيام، فذلك مدعاة لتشبيه الرجل بالنساء والولدان ،لذلك يقود (ابيهيم) الجمال مسافة تبعده عن الأنظار الفضولية ،بعدها يستوي على ظهر جمل أجرد. جامعا في يده الخبيرة أزمة البقية ،يهمز بعقبه ويلوح بعصاه ،فتبدأ جماله الجري في اتجاه مورد الماء ،وللإبل حاسة سادسة في اكتشاف منابع الماء والعشب.

الذاهب في الورد مطالب بالصدر بأكبر كمية من الماء ،وينتقد صاحب (الرواية) إذا ما شابه ذكر الحمام، فكان مثل (رواية برغود) فهو كما يقال يملؤ فمه ماء ثم يعود، ولكنه عندما يلتقي إلفه يغلبه الضحك. فيفقد ما في فمه ويعود من جديد، عودا على بدء .

ولابد (للوراد) من أن يكون شمريا محككا ومجربا ،وصبورا جلدا،لأن الورد من أصعب المهام البدوية. وأشقاها بالشوك والمشي و المعاناة .

ركب رجلان من لج بحر آوكار الأبكم وقد خلفا صبية عطاشا ونساء .كان الهدف هو البحث عن مصدر للماء ،بين منابع كثيرة جافة ،أيبسها التصحرونزفها غول الصحراء وسعلاته.حملتهما موجات اليم سبع ليالي رائدان للماء .وعثرا على بئر اهتدى إليها أحد الجملين ،كانت مهجورة معطلة ،لاتوحي بالخير ،لكن انحنى فيها أحدهما فقابلته صورته صافية من الماء العذب ،فصاح في زميله كأنه يبشره بمولود من الذكور :

ـ يوجد ماء

أنزلا القرب حول مصدر الحياة هذا، وبدآ يتشمران للمتح والسقي فرحين بهدية الصحراء .عقد كلاهما كمي دراعته خلف عنقه، وثنى طرفها وعقده وراء ظهره كمن يتهيئ لرقصة لعب العصى .فجأة أطلق أحدهما آهة وهرول يجري مبتعدا وهو ينذر رفيقه بالخطر الداهم .

ـ أفعى .أفعى ،هذه البئر مليئة بالأفاعي

كان البئر منزلا دائما لفصيلة أفاعي ،حيث استوطنت أخشابه وعمرت جوانبه، وحولته إلى مدينة شداد الأفعوانية ،وما لبثا أن سمعا صفيرها الحاد من داخل البئر ،كان ثاني الرفيقين ذا قلب جريئ ،حككه الدهر وعجن عوده .غاظه جبن صاحبه وتخاذله أمام الفرصة الوحيدة ،لقد تركا ورائهم الصبيان والنساء ولن يعودا خائبين مهما كانت أنياب الأفاعي ،أمسك جميع القرب وما لديهم من حبال ،وأغرق الكل في البئر ،ثم ألقى بنفسه داخله وصرخ في الآخر :تعال يا ركوة ساعدني برفع القرب المليئة .

صار الرجل الهمام يملئ قربة ويربطها بحبل قوي يرمي طرفه للآخر فوقه حتى آخر قربة .جعل يملؤها ويرفعها لصاحبه لكي يصبها للجملين.ثم ملأها أخيرا وأخرجها ،وحزم الحبل في خاصرته ورفعه مرافقه قربة أخيرة جريئة.وبمجرد ما وصل إلى ظاهر الأرض الآمن تداعى البئر متهدما كالحلم الخرافي الكاذب ،وتحطم ،بينما بقي الرجلان ينظران إلى القرب المنفوخة مثل الجيف ولا يصدقان أعينهما .

ـ الرواية جاءت .هي أحلى نداء تصدح به حناجر الأطفال عند تبدي قافلة الجمال تنساب مع ثنيات الرمال .كل جمل زعيم بقربتين تتسعان لحوالي ثمانين لترا ،ويزف الصغار القافلة للحي ،فترسم البسمات الشاحبة على الوجوه العطشى،أما أصحاب (الرواية) أنفسهم فقد لا ينجون من مكدر التعب والطوى المسمى :عجوز الرواية ،فتصيبه رؤية الخيام بالتبرم والتعب لينقلب إلى كائن قليل الصبر والحلم .يدل على الآخرين بتعبه في أقدس مهمة بدوية ،ولن يزيل كل ذلك ويعيده إلى طبيعته ويصون له راحته غير كأس من الشاي الذهبي المسائي .

عجوزالمعطن ،كما يقولون لا يرد صولتها غير حظ من طعام و شاي وغفوة سريعة في ظل الخيمة البارد ،وعندئذ فقط ينسى لقاء العجوز .

بعض الرجال يفضل الرعي والريادة وكل عذاب آخر سوى الورود والصدور، لما فيه من مكدرات ومنغصات ،فهم يكرهون المتح وأهواله وتعب تعليق أوعية الماء على ظهور الدواب .

ويتحدث تاريخ الورد عن رجل ذهب ليستقي لأهله ،وبعد صدوره عن المورد ،قاد الجمال المحملة بالقرب المليئة مسافة طويلة ،ثم عن له نوء في السماء رأى بعضه فوق بعض .ثم لمح برقا تحته يلمع ،فاستبشر خيرا بذلك وتيقن بنزول المطر ،فأناخ جماله وحل رباط جميع قربه وتركها تنسكب على الأرض .

فيقال : رأى الغيوم ،فأراق قربه

إذا أمطرت السماء وجاء الغيث ،امتلأ كل منحنى وغدت الدنيا مرآتا صافية ،وتفجرت الينابيع بين الكثبان وتحت ظلال الشجر .وأطل الماء رقراقا سلسبيلا ساحبا وراءه مهرجانا من المخلوقات والطيور ،زاهيا في أعين البشر،نبعا للحياة والاستمرار ،تغازله الريح برقتها العذبة،وتنهق له الحمر ويعقد الأطفال مهرجانا.مع توقف المطر ينساب الكل جماعات ووحدانا،حاملين الركى والأوعية والقناني وحتى الأواني والحاويات ،ليملئوا بطونها بالماء، فيعمرون بالماء حتى الكؤوس ،ويشربون ويغتسلون .

وتلك أسهل طريقة للورد .

وأصعب طريق : ورد الرجل الذي كسل عن دوره في الورود،فتعود على معارضة أهله عندما يأمرونه به ،فكلما أحضروا الحمار قال لهم : أنا لن أذهب في (الرواية) ،فإذا وضعوا القرب ،قال : ضعوا القرب ولكني لن أرد ،وعلقوا (المحكن) أنا لن أرد ،لا تنسوا الحبل الذي يعقد القرب أنا لن أرد ،وعلقوا الدلو ،أنا لن أرد ،أعطوني عصاي ،أنا لن أرد .

وهكذا حتى يذهب في النهاية باستسلام .

منابع المياه نقاط ساخنة للإعلام وتناقل الأخباروالأنباء .والتواصل والتبادل الثقافي،ونقل المعلومات والشائعات .

هذه الآبار والمنابع أيضا هي مراكز التحضر البدوي، والارتفاع بالنفس عن مستوى المعيشة البدوية الغليظة ،والتلطيف من خشونتها ،وفرصة لاجتماع زامر الحي الاجتماعي المشتت في المكان الموحش .

هناك راع أجير ..تعود على تمضية الصيف في (المعطن) إذ أن إبل مؤجره تطلق لشأنها صيفا على غرار غيرها .فيدفعه خلو يديه من عمل إلى السكن عند هذا البئر المالح ،فكان ربما سقى بعض الهمل مرة لقاء كمية من الفستق والبسكويت ،أو روى لشخص مقابل قبضة من الشاي وما يسقيها من السكر،ويجلس أياما أخرى بلا عمل،يجتمع حوله أمثاله من العاطلين أول الليل فيوقع لهم على سطل نحاسي أنغاما،وترتفع عقيرته المجروحة شادية (بأشوار الظل) حتى مطلع الفجر.

وفي نهاية الصيف (اطياح الرشك) بعث إليه مؤحره أن يلتحق به في مكان من آوكار،ليجمعا الابل كعادتهما كل سنة ،في مثل ذلك الوقت،فلما أبلغه الرسول الخبر،أحس في نفسه التمرد وقال : لا أحب الآن حياة البادية ،فظروفها صعبة .

وبعد أن تخف سخيمة الشمس،إيذانا بقرب الغروب،ستبدوا قافلة (الرواية) ولن تحمل الماء فقط،فالمثل يقول(أعكاب الاخبار تجيبو الرواية).

أقــــلام حرة

إضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة موريتانيا © 2015
 

عن الموقع

تهدف الإذاعة لترسيخ القيم التي أقرها دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، والرقي بالثقافة والتراث الموريتاني إقراء المزيد ...

القائمة الرئيسية