إذاعة موريتانيا الثقافية - الفتوة

الثقافة الشفهية

التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي

يشمل مجال «التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي » مجموعة متنوعة هائلة من الأشكال المحكية، منها الأمثال والفوازير والحكايات وأغاني الأطفال وقصص البطولات والأساطير والأغاني والقصائد الملحمية والتعويذات والصلوات والأناشيد والأغاني المسرحية أو الأداء المسرحي وغير ذلك. وتُستخدم التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي لنقل المعرفة والقيم الثقافية والاجتماعية والذاكرة الجماعية. وهي تؤدي دوراً شديد الأهمية في الحفاظ على الثقافة نابضة بالحياة.

وبعض أنواع التعبير الشفهي شائعة يمكن أن تستخدمها مجتمعات بأكملها، في حين أن أنواعاً أخرى تقتصر على مجموعات اجتماعية خاصة أو على الرجال دون النساء أو على النساء دون الرجال، أو حتى على المسنين. وفي كثير من المجتمعات، يعتبر أداء التقاليد الشفهية مهنة عالية التخصص، وينظر المجتمع المحلي للمؤدين المحترفين بكثير من الاحترام باعتبارهم حُماة الذاكرة الجماعية. ويوجد المؤدون هؤلاء في المجتمعات المختلفة في جميع أنحاء العالم. وبينما يذيع صيت الشعراء والرواة في المجتمعات غير الغربية، من قبيل الغريوت والدْيِللي في أفريقيا، فإن هناك تقاليد شفهية غنية في أوروبا وأمريكا الشمالية أيضاً. فهناك في ألمانيا وأمريكا الشمالية مثلاً المئات من الرواة المحترفين.

 

ونظراً لأن التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي تنتقل بالكلمة المحكية فإن أسلوب روايتها كثيراً ما يختلف. فالقصة هي عبارة عن مزيج – يختلف باختلاف نوعها
وسياقها ومؤديها – من الإخراج والارتجال والإبداع. وهذا المزيج يجعلها شكلاً من أشكال التعبير الحي المليء بالألوان، لكنها في الوقت نفسه ضعيفة تستند في حيويتها على سلسلة لا تنقطع من تقاليد التناقل عبر أجيال المؤدين.

ومع أن اللغة تُدعِّم التراث غير المادي لكثير من المجتمعات، فإن حماية فرادى اللغات وصونها لا يدخل في نطاق اتفاقية ٢٠٠٣ ، مع أن المادة ٢ تشير إلى اللغات باعتبارها واسطة لنقل التراث الثقافي غير المادي. واللغات المختلفة تتحكم في كيفية رواية القصص والأشعار والأغاني كما تؤثر على مضمونها. واندثار لغة ما يقود حتماً إلى فقدان دائم لما لديها من تقاليد شفهية وأشكال تعبير شفهي. على أن أشكال التعبير الشفهي هذه نفسها وأداءها أمام الناس هي التي تساعد على صون اللغة وليس القواميس وكتب القواعد وقواعد البيانات. فاللغات تعيش في الأغاني والقصص والفوازير والأشعار، ولذا فإن الصلة وثيقة قوية بين حماية اللغات وتناقل التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي.

وعلى غرار أشكال التراث الثقافي غير المادي الأخرى، تتعرض التقاليد الشفهية لتهديدات التحضر السريع والهجرة على نطاق واسع والتصنيع والتغير البيئي. فالكتب والصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون والانترنت كلها يمكن أن تترك أثراً يضر بالتقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي. ويمكن لوسائل الإعلام الحديثة أن تُحدث تغييرات كبيرة في أشكال التعبير التقليدي الشفهي، بل أن تحل محلها بالكامل. فالقصائد الملحمية التي كان إلقاؤها في الماضي يستمر عدة أيام تراجعت إلى بضع ساعات، كما أن أغاني التودد الغزلي التقليدية التي كانت تؤدى قبل الزواج يمكن أن يستعاض عنها اليوم بالأقراص المدمجة أو ملفات الموسيقى الرقمية.

أما الجانب الأشد أهمية في عملية صون التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي فهو الحفاظ على دورها في حياة المجتمع اليومية. كما أن مما له أهمية أساسية أن تستمر دون انقطاع فرص انتقال المعرفة من جيل إلى آخر، من ذلك مثلاً فرص تفاعل المسنين مع الصغار والشباب ونقل القصص في بيئتي المنزل والمدرسة. وكثيراً ما تشكل التقاليد الشفهية جزءاً هاماً من احتفالات الأعياد و الاحتفالات الثقافية، ويتعين الترويج لهذه المناسبات والتشجيع على خلق سياقات أخرى، من قبيل مهرجانات رواية الحكايات، لتمكين العمل الإبداعي التقليدي من إيجاد طرائق جديدة للتعبير. وينبغي لتدابير الصون، وبروح اتفاقية ٢٠٠٣ ، أن تركز على التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي باعتبارها عمليات تتمتع فيها المجتمعات بحرية استكشاف تراثها الثقافي بدلاً من منتجات هذا التراث.

كما يمكن للمجموعات والباحثين والمؤسسات أن يستخدموا تكنولوجيا المعلومات للمساعدة على صون التقاليد الشفهية بكمالها وثرائها كله، بما في ذلك تنوع النصوص وتباين أشكال الأداء. ويمكن اليوم تسجيل خصائص التعبير الفريدة، من قبيل التنغيم، وعدد كبير جداً من الأنماط المتباينة، على وسائط سمعية أو فيديوية، وكذلك شأن التفاعل بين المؤدين والمتفرجين والعناصر غير اللفظية من القصص، بما في ذلك الحركات والإشارات. ويمكن استخدام وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية لحفظ التقاليد الشفهية وأشكال التعبير الشفهي، بل لتعزيزها، عن طريق بث حفلات الأداء ضمن مجموعات المنشأ المحلية أو لجمهور أوسع نطاقاً

محاضرات في التاريخ الثقافي الموريتاني(1)

http://4.bp.blogspot.com/-PG4vznYlDOU/T4l8HQD3vyI/AAAAAAAAAqk/PpoaDOmfWdw/s200/images+%281%29.jpg

    الدكتور : أحمد سالم ولد اباه       

 

المحاضرة الأولى :
                       المفاهيم الأساسية

تقديم

يراد لهذه المحاضرات أن تعطي صورة عن الحياة الثقافية في هذه البلاد المعروفة في الوقت الحاضر بموريتانيا، صورة تعتمد على إبراز خصوصيات المنجز الثقافي وما يميزه عن تجارب الأمم الأخرى مجاورة وغير مجاورة .

ولأنه من الطبيعي اقتراض الثقافات من بعضها، فإن هذه المادة تأخذ على عاتقها أيضا التعريف بمواطن التأثير والتأثر المتبادلة، وذلك من خلال الوقوف عند أهم الروافد التي ساهمت في نشأة الثقافة الموريتانية، وساعدت في بقائها إلى حين .

كما سنتوقف - بعون الله – عند أهم مراكز الإشعاع في  البلاد معتمدين على المدونات التي بقيت آثارا شواهد على دور المحاظر وعلمائها في إثراء العلم والمعرفة في الفضاء الشنقيطي الرحب.

1-   المفاهيم

1-1-  التاريخ : يعتبر التاريخ أحد أهم العلوم الاجتماعية التي تعنى بتوثيق حياة الإنسان، ووصف آثاره العمرانية والثقافية، وتخليد أساليبه في الحكم وإدارة شؤونه، ومعاركه لفرض رؤيته على بني جلدته وعلى الآخر.

وسواء كنا نفهم من التاريخ رواية أخبار الأمم الغابرة لأجل العبرة، أو التسلية ، أم كان يعني لدينا معرفة الماضي للاستفادة منه في الحاضر والمستقبل، فإن تخصيصه بنشاط إنساني معين كالسياسة أو الثقافة أو بمكان بعينه كموريتانيا مثلا يعطيه صبغة تخصصية ويحيل اتساع مجاله إلى التقييد، وهذا ما نرمي إليه هنا من إضافة التاريخ إلى الثقافة، لأجل تكثيف النظر  إلى حقب وأنشطة معرفية بذاتها.

ولأن تصحيح المنطلقات أمان من الزلل فينبغي أن نضع نصب أعيننا أن الهدف ليس التأريخ لحوادث زمانية أو مكانية بعينها، وليس تكريس ظاهرة التمركز حول الذات، ولا هو كتابة مآثر قومية لمجتمع من المجتمعات أو توثيق سيرة من سير أعيان القوم، وإنما إعطاء نبذة عن تاريخ ثقافة هذه البلاد بشكل عام يخدم الصورة الكلية مجملة.

1-2-  الثقافة : يشير الجذر اللغوي ث ق ف إلى تحديد الأسنة والرماح بل والأسلحة بشكل عام، ولأن عملية التثقيف هذه كانت دقيقة بحيث تأخذ الجهد والوقت فقد انسحب مفهومها على مشابهها من تربية وتدريب النشء على معاني الفروسية والأخلاق والأدب، حتى أخذت دلالة المثقف والأديب تتماهى في تاريخ الثقافة العربية، حيث عرفوا الأديب على أنه "من أخذ من كل علم بطرف" وعرفوا المثقف على أنه " من يعرف شيئا عن كل شيء " وهي مرحلة كانت الثقافة فيها تعتمد بشكل كبير على الرواية الشفاهية أو الشفهية .

أما في العصر الحديث فإن من المفكرين من يعتبر الثقافة CULTURE  مرادفة للحضارةCIVILISATION   أي أنها نمط من أنماط التفكير والعيش، وهي بهذا قريبة من مجال عمل المؤرخ ولكنهم يفرقون بين ثقافة تمتلك الآثار المكتوبة التي هي المادة الأولية لدراسة وتحليل أي ثقافة عالمة، وبين الثقافة المحلية التي تعتمد على المرويات الشفهية ويطلقون عليها الثقافة الشعبية .

ويقترب مفهوم الثقافة ومدلولها من مفاهيم أخرى حافة مثل العلم والمعرفة، ولكن التدقيق في الأمر يبين فروقا لغوية ومعرفية تعتمد على نسبية درجة التحصيل ومجال اختصاص كل منهما .

وبتقدم الزمن شوطا تولد مفهوم جديد للثقافة، بعد مفهومي الثقافة الشفهية والثقافة المدونة حيث استجدت ثقافة الصورة، التي تتميز بنموذجها السلطوي، مع قرب الأخذ لتوفرها وشيوعها لخدمة الجهات التي تصدر عنها لها.

إن مفهوم عولمة الثقافة الجديد يصدر عن اقتناع المرسِل بأن ما يقدمه للعالم لامناص منه ولا مفر للشعوب عنه، ولأن هذه الثقافات المحلية لا تستطيع مجابهة الدفق الوارد من القارات عبر لمسة زر في الإعلام وتقنيات الاتصال، وشبكة المعلومات الأنترنت، فإن من العبث واللعب على العقول تسمية العملية غير المتكافئة في الأخذ والعطاء بالمثاقفة، إذ أن المفاعلة تدل على مشاركة الطرفين، والحق أن طرفا بعينه يهيمن على الإرسال ليبقى الطرف الثاني  رهين الاستقبال بحكم تطور الوسائل عند المرسِل، وامتلاكه وسائل الإنتاج الموضوعة أصلا بهدف التأثير في سلوك الشعوب الضعيفة ولتحويل نمط عيشها إلى نمط استهلاكي محض .  

1-3-  موريتانيا : أطلق المستعمر الفرنسي على هذه البلاد اسم موريتانيا، الذي يتألف من كلمتين "مور" وتعني في أغلب الاستعمالات اللاتينية "الأسمر" وتانيا وتعني بلاد، وعليه فإن معنى الكلمة المركبة بهذا التقدير بلاد السمر، وموريتانيا أيضا هي اسم قديم للإقليم الذي أقام عليه الرومان مملكة صغيرة في شمال غرب إفريقيا، و"يشمل الإقليم تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا اليوم "[1]

ولأن موريتانيا عرفت بأسماء أخرى كثيرة – كما سنرى – تقوي صلتها بمحيطها العربي الإسلامي والإفريقي فإن المستعمر الفرنسي قصد توطين هذا الاسم بالذات حتى يبعدها عن ذلك الإشعاع والاطلاع بدور ثقافي في المنطقة على غرار الماضي، ولا أدل على ذلك من أن التقطيع الجغرافي للحدود لم يأخذ في الاعتبار خصائص السكان حيث تمتد ذات الخصائص إلى ما بعد الحدود في المغرب والجزائر والنيجر وغيرها، بمعنى أن الثقافة الموريتانية أو ثقافة الموريتانيين توجد خارج حدودها السياسية المعروفة اليوم، حيث كانت تعرف موريتانيا في أذهان من زارها من الرحالة كابن بطوطة مثلا بفضاء أرحب مما هي عليه الآن بعد رسم الحدود، لكنها بدأت تعرف التحديد والحصر بداية من تسميتها بالمنكب البرزخي إشارة إلى موقعها كثغر من ثغور اللغة العربية والإسلام.

ولأن رقعة مساحة البلاد متسعة فقد قامت طرفها الجنوبي قرب مصب نهر صنهاجة حضارات وممالك أطلق اسمها ردحا من الزمن على هذه البلاد مثل امبراطورية غانا أقدم الممالك السودانية في غرب أفريقيا، لكن المحدد السياسي لم يكن العنصر الحاسم في  التسميات التي أطلقت على هذه البلاد وحده بل إن صورة الموريتاني فعلت فعلها، فأطلق على هذه البلاد بلاد الملثمين إشارة إلى "قبائل صنهاجة الذين دخلوا البلاد في أواسط القرن الثاني الهجري" [2]

ويشير اللثام إلى مكمل اللباس الصحراوي الضروري للوقاية من لفح الحر وشدة القر، ولأن التنوع السكاني طابع ميز هذه البلاد، وأعطاها معنى الخصوبة والثراء فقد عرفت أيضا ببلاد التكرور وبلاد شنقيط وبلاد السيبه ، وأرض المغافرة، وأرض المليون شاعر، غير أن المتتبع لتاريخ هذه البلاد في مصادر التاريخ العربي الإسلامي سيجدها مذكورة أكثر باسم بلاد صنهاجة الرمال وبلاد لمتونه .

أما ما نقصد نحن من إضافة الموريتاني إلى التاريخ الثقافي عنوانا لهذه المحاضرات فهو الدلالة على أن ما نعنى به في الأساس هو الإقليم المتعارف عليه اليوم بالجمهورية الإسلامية الموريتانية الممتد من المملكة المغربية والجزائر شمالا إلى نهر السنغال جنوبا، ومن المحيط الأطلسي غربا إلى جمهورية مالي شرقا، وفق الحدود السياسية التي خلفها الاستعمار الفرنسي الذي حكم البلاد مابين 1902 إلى سنة 1960 ذكرى استقلالها، وإن كان هذا التحديد لا يمنع من التعاطي مع الظاهرة الثقافية خارج هذه الحدود التي لا تماهي بالضرورة الحدود الثقافية ولا الاجتماعية ولا التاريخية لهذه البلاد.

 

 

ينظر في هذا الإطار :

1-   أجمد بن الأمين ، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

2-   المختار بن حامدن، حياة موريتانيا (الجزء الثقافي)

3-   الخليل النحوي ، المنارة والرباط

4-   محمدو ولد محمدن ، وثائق من التاريخ الموريتاني

5-   حماه الله بن السالم، موريتانيا في الذاكرة العربية

6-   أحمد سالم ولد اباه، الثقافة والعولمة : مقاربات نقدية مدارها النص

 

 

المحاضرة الثانية : البداوة والثقافة

منذ عطف القرآن الكريم البدو على السجن في قصة يوسف[3] والذاكرة الجمعية للمسلمين وللعرب تحتفظ له بصورة منافية لمبدئي الاستقرار والتراكم اللذين يعتبران محددا أساسيا من محددات العمران شرط المعرفة والثقافة .

ولأن أهل الوبر يعيشون حياتهم رحلا، يتتبعون مساقط السماء طلبا للمرعى والكلأ، فإن وقت التحصيل والنظر والاستنتاج يعوزهم، فضلا عن أن طبيعة البادية وجوها المفتوح لا يساعدان عند التكوين على معرفة الحدود بين الأشياء وهو ما أشار إليه القرآن أيضا في قوله تعالى " الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله" [4] والحد بداية كل علم، بل وبداية كل شيء معرفة حدوده .

ولئن كانت القاعدة المتعارف عليها هي أن البدوي مسالم وكريم وبسيط غير أن لاحظ له من التعليم والمعرفة والفكر، فإن الاستثناء كان في هذه البلاد المعروفة ببلاد شنقيط وموريتانيا حديثا، حيث قهر السكان الطبيعة البدوية الصحراوية ومهدوا لقيام حضارة بدوية – إن صح التعبير- واتخذوا شعارا لهم أبيات ابن بونه المنهكة بالاستشهاد :

ونحن ركب من الأشراف منتظم      أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة                  بها نبين دين الله تبيانا

إن الثقافة البدوية – كما سنرى – على مبدإ توزيع الوقت بين مشاغل الحياة اليومية القائمة على الترحال وإصلاح حال المعاش، وبين تحصيل المعرفة وإقرائها، والعمل بها، وهو ما تواتر عن جل علماء هذه البلاد من مثل محنض باب ولد اعبيد الديماني الذي اشتهر عنه أنه كان يبدأ يومه بقيام شطر من الليل، وبعد إيقاد النار يحضر مذاكرة الطلاب درس الأمس، ثم يساعد في إخراج النعم إلى مسارحها، ويرجع، فإن كان اليوم يوم إقامة جلس للتدريس ثم خلا لنفسه ساعة يؤلف – وقد قيل إنه كان يخص كل يوم بكتابة صفحة تأليفا – ثم يجلس للقضاء والصلح والفصل في الخصومات، ثم يأخذ استراحة خفيفة بين الظهرين، بعدها يروح مع الناس إلى عنايتهم بأمر أنعامهم وحرثهم، أما إن كان يوم رحيل فيقرئ طلابه والركب مرتحل، وقد رويت ذات القصة عن غير واحد من العلماء في هذه البلاد كالنابغة القلاوي (ت 1229 ) وعن شيخه أحمد بن العاقل (ت 1244 ) وعن الإمام عبد القادر الفوتي (ت 1229 ) وحتى عن المتأخرين ممن أصبحوا بعد ذلك من المتمدنين.

غير أن ما يلفت النظر أكثر ويعتبر من خصائص هذه البلاد هو إبداع علمائها لمنحى فقهي خاص بواقعهم البدوي، وبعدهم عن مركز الثقافة الإسلامية، فهذا الشيخ محمد المامي يؤلف كتابه "البادية" لبحث المسائل التي لم تستجد قبل زمانه، وقد طرحها ظرف خاص هو ظرف البادية والترحل، وذلك لإيجاد الحلول لها انطلاقا من تنزيل النظرية المالكية على الواقع البدوي لهذه البلاد، كما شاع بين فقهائهم الاعتناء بالنوازل وتعني المسائل المستجدة التي لم تعرف بحثا ولا نصا لعدم طرحها في الماضي.

ولأن البدوي في غالب وقته يسعى في صحرائه إلى المادة الأكثر ندرة والأشد إلحاحا وهي الماء، فإن المتعلمين من سكان البادية وجدوا صعوبة في الفصل – أو قل الحز – بين الكتاب مضرب المثل في عدم القدرة على الماء وبين الماء نفسه الذي هو مصدر الحياة الأول، وقد روي في هذا الصدد أن محمد بن محمد سالم المجلسي شيخ الشيوخ المعتني بشرح وتدريس مختصر خليل، كان إذا حضرت سيارة حيه على الحمير، وهو في العادة ينثر كتبه بين يديه، نادى في أهله قفوا بين الماء والكتب، وذلك لحرصه على الكتب مقابل عدوها الأول، أما إن تذكرنا كم من مكتبة أتلفها الماء غيثا وسيلا، فسنعرف مدى الجهد الذي بذله الأجداد الشناقطة في توصيل ما أنتجوه من معرفة إلى صناديق الآباء ومن ثم إلى دواليب المكتبات الأهلية والمتاحف ومراكز البحوث .

أما الشق التمثيلي لهذه المحاضرة فسيكون بأهم خاصية من خصائص الثقافة الموريتانية وهي المشاركة النسائية في إنتاج المعرفة وإشاعتها رغم احتفاظ المرأة بمهمتها الأصلية كسيدة منزل تدبر شأنه وتصلح حال أعضائه .

من ذلك مثلا أن غديجة بنت محمد العاقل قد كانت تقوم بتدريس المنطق والنحو بمحظرة أبيها، وقد مر بدرسها قبل التخرج على يديها عدد من العلماء من أمثال النابغة القلاوي والمختار بن بونه الجكني وأحمد بن محمد العاقل الأبهمي أخوها، والطريف في الأمر أنها كانت تعتبر المنطق على صعوبته سهلا ميسورا ، حتى أثر عنها القول المشهور " الأمر كذا كالمنطق عندنا "، وليست عيشة بنت الأزرق منا ببعيد حيث كانت تمارس التدريس في محظرة زوجها الشيخ سيد المختار الكنتي، فتذلل صعاب المختصر للطلبة ذكورا وإناثا.

لكن ما يجمع أطراف موضوعنا ويدل على تكامل البداوة والثقافة رغم التنافر الشائع بينهما عند المجتمعات الأخرى، هما قصتان وردتا في أغلب الكتب التي أرخت للثقافة في هذه البلاد، وتدلان على اعتناء الناس عموما والنساء خصوصا بالمعرفة، وأن القوم بذلوا جهدا في تحصيلها رغم ظروفهم المعيشية الصعبة، إذ قد وجدوا لذلك أثرا إيجابا والقصتان هما :

1-تقوم حياة البدو معلما[5] ومتعلما على ضرورة الترحال والتجول، وقد اتفق أن جماعة من طلاب إحدى المحاظر، كانوا في سفرة فنزلوا ببيت به امرأة فقدمت لهم حليب الإبل شرابا، فظن أحدهم أن اللبن ممذوق (مخلوط بالماء) وأراد إشراك زملائه في الخبر دون معرفة المرأة، ولمعرفته أن مستوى ما من المعرفة قد أصبح شائعا وبالتالي فلن تكفيه رواية الشاهد النحوي مجهول القائل :

حتى إذا جن الظلام واختلط              جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط

فقد سعى إلى تعمية من الدرجة الثانية وساق بيت ألفية ابن مالك الذي يستدعي الشاهد الآنف الذكر مثالا عليه :

وامنع هنا إيقاع ذات الطلب                  وإن أتت فالقول أضمر تصب

ولسرعة بديهة المرأة وتبحرها في النحو فهمت مقصوده وردت عليه : كلا إنها نوق حديثة عهد بشرب، فلذلك رأيت حليبها وكأنه ممزوج ماءا ، فسقط في أيدي الطلاب، واستحسنوا واستغربوا وبدأوا يطلبون عفوها وصفحها عن غلطة صاحبهم، فكان الأمر درسا لاينسى .

2-أنه كان في حي من الأحياء أحد الفقهاء يقوم بتدبير أمور الحي وتدريس طلابه في المحظرة، وكانت له أخت، وكلما فرغ طلابه من التحصيل والمذاكرة لجؤوا إلى خيمة في طرف الحي للمذاكرة والاستزادة من المعرفة والعلم، وكانت أخت العالم تختلف إلى ذات الخيمة مع أخريات ليشهدن الذاكرة والمبارزة العلمية، وكان الشيخ ينهاها عن ذلك، وقد اتفق خلال ذلك أن ورد سؤال على الفقيه مفاده " لماذا يعتبر الشك في الطهارة مبطلا ولايعتبر كذلك في الصلاة " فتوقف عن الإجابت فقالت أخته " إن من قواعد الفقه الأساسية الاحتياط في الشرط أكثر من الاحتياط في المقصد " فاستحسن ذلك منها لكنه سألها عن مصدر معرفتها فأجابته :

وكان مضلي من هديت برشده               فلله مغو عاد بالرشد آمرا[6]

وهي بذلك تشير إلى أن مصدرها هو المجلس الذي كان ينهاها عنه، فزاد إعجابه بها، وإكبار أمرها .

 

ينظر في هذا السياق :

1-   حماه الله بن السالم : تاريخ موريتانيا ، العناصر الأساسية

2-   محمذن بن المحبوبي : مكانة المرأة الموريتانية في الثقافة العالمة

 

 

المحاضرة الثالثة : حركة المرابطين  الإسلام السني المدعوم بالسلطة وبدايات التعريب

 

نقصد بحركة المرابطين تلك مجموعة من الفقهاء المجاهدين المنسوبة إلى الرباط كطريقة – لا كمكان – في الاستعداد[7] للفتح وأخذ النفس بالقوة والجد والاجتهاد في التعبد، بمعنى أننا هنا لا نركز على الجانب العسكري المتمثل في الفتوحات، بل سيكون حديثنا منصبا على النواحي الفكرية والثقافية من نتائج تلك الحركة .

وسواء كان المرابطون قد انطلقوا من القيروان، أو من الرباط المغربي، أو من الجزائر، أو كانوا هم ذات المجموعة التي أقامت رباطا في جزيرة قرب شواطئ نواكشوط، فلا خلاف أنهم قد غيروا كثيرا من أحوال سكانها ونحل عيشهم وطرق تفكيرهم ومجريات حركة تاريخهم وعلاقاتهم بالشعوب المجاورة أو البعيدة عنهم .

تجمع المصادر التاريخية على أن رحلة الحج التي قام بها زعيم صنهاجة في وقته يحي بن ابراهيم الكدالي، كانت المنطلق الأساسي لدولة المرابطين، حيث إنه لما رجع قافلا منحجته ووصل إلى القيروان طلب من شيخ المالكية في عصره ابي عمران الفاسي أن يرسل معه رجلا منتقى من طلابه ليقوم بتدريس سكان الصحراء من المسلمين حديثا المحتاجين إلى من يعلمهم أمر دينهم فانتدب له عبد الله بن ياسين الملقب بالمعلم الأول للمرابطين، ورغم ما ترويه بعض المصادر عن صعوبة في بداية مهمة بن ياسين، إلا أن نجاحا في المهمة الدعوية أفضى بها إلى التحول إلى حركة جهادية عسكرية دخلت في صراع مع المناطق التي لم تخضع لسلطانها فغزوا الزناتيين في الشمال وأخضعوهم، كما دكوا حصون أوداغست[8] جنوبا، وقد اتخذ المرابطون من مدينة آزوكي الواقعة على بعد 18 كلم أطار الحالية عاصمة لهم، وشيدوا بها قلاعا حصينة ما زالت آثارها شاهدة حول ضريح قاضي المرابطين الإمام محمد بن الحسن المرادي الحضرمي .

ولأن هذه الورقات تعنى في الأساس بالآثار التي ترتبت بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة المرابطين فلا بد أن تتجاوز التأريخ للحركة ذاتها إلى آثارها ونتائجها، وسنركز في هذا المنحى على مراحل دخول الإسلام وعمليات التعريب والتعرب.

1-   دخول الإسلاميمكن القول في البدء إن الإسلام دخل إلى هذه البلاد عبر مرحلتين أساسيتين هما :

أ‌-   مرحلة الإسلام المبكر : ونعني بها أن صنهاجة اللثام قد عرفوا الإسلام مبكرا مع الفتوح التي وصلت هذه المناطق في القرن الثاني الهجري، وعرفت امتداده مع رواج التجارة الصحراوية حتى وصل إلى أوداغست بل وتجازها إلى أدغال مملكة غانا، غير أن هذه المرحلة من دخول الإسلام ارتبطت بسرعة بالدويلات الخارجية والشيعية التي قامت في المنطقة مثل دولة بني رستم الخارجية[9] الإباضية ولا غرابة في ردة الفعل المتشددة هذه على قوم كانوا قبل الإسلام يعتنقون الوثنية، ومر بهم الفاتحون مرور الكرام دون تعميق مكتسبهم الجديد بتعلم مبادئه، ويدل على هذه المرحلة التي خرجت عن الجادة بسرعة ما رواه ياقوت الحموي في وصف الوضع الديني القائم على التشيع في أوداغست بأنها " مصر من الأمصار جليل، والسفر إليها متصل من كل بلد، وأهلها مسلمون يقرؤون القرآن ويتفقهون، ولهم مساجد وجماعات أسلموا على يدي عبيد الله <وهو شيعي أسس الدولة العبيدية >" [10] وبسبب كثرة التنافس والتقاتل على أوداغست لمكانتها التجارية، بدأ اهتمام المرابطين يتجه إليها خاصة أنهم أخضعوا أغلب الخارجين عليهم في المعتقد، حولها فغزوها وأنهوا مرحلة الميوعة والتساهل في نظام الحكم والعقيدة .

ب‌- مرحلة الإسلام السني المدعوم بالسلطة :

أخذ المرابطون على عاتقهم تطهير المجال الصحراوي من الجيوب البدعية والأفكار غير الرسمية، وترسيخ مبادئ الإسلام السني المعتمد على الرؤية المالكية بما تحمل من تراكم علمي وتناسب مع الواقع البدوي المشابه للمجال الحجازي الذي نشأت فيه بخلاف الرؤى الفقهية الأخرى التي نشأت وتطورت في مجال حضري بحت، وهو ما أشار إليه بعض الدارسين بقوله " إن طابع المذهب المالكي قد طغى منذ البداية على المشروع المرابطي فضلا عن قبول أهل الصحراء له بسهولة تفسرنجاح دعوة دولة المرابطين واستمرارها في الإقليم" [11]

وقد صاحب نشر الإسلام على طريقة المرابطين حزم وقوة يفسرها خوفهم من رجوع السكان عن إسلامهم كما وقع في المرحلة الأولى، فأخذوا عليهم بالشدة بل إن بعض الروايات نصت على عقوبات مباشرة لكل من تسول له نفسه الخروج على تعاليم الإسلام فقد كان ولاة الأمر من المرابطين يراقبون المساجد ويعاقبون المتخلفين والمتأخرين عن صلاة الجماعة خمسة أسواط عن كل ركعة مثلا.

من هنا فإن الدين الإسلامي في نسخته السنية الناصعة لدى المرابطين قد صبغ حياة الناس بصبغته التي قضت على كل الاختلافات العرقية والعقدية، ورسخت نسقا من القيم حكمت مجمل السلوك العام وأساليب المعاملات، ومنذ ذلك الحين ساد المذهب المالكي وخاصة في جانبه المروي عن ابن القاسم، والأخذ بالمشهور عنده حتى ولو خالف ظاهر المذهب، وبتنامي الفروع المذهبية واحتياج الناس إلى القياس عليها، أصبح مختصر خليل بن اسحاق المصري المالكي وشروحه وحواشيه أكثر شهرة من ابن القاسم وحتى من مالك بن أنس نفسه مؤسس المذهب وواضع قواعده، حتى قال قئلهم القولة المشهورة – وإن كان فيها شيئ من التحيز والغلو- " نحن قوم خليليون إن ضل ضللنا "

2-  التعريب :

لقد كانت النتيجة المباشرة لحركة المرابطين ونشرها للإسلام السني أن أوجد نوع اهتمام باللغة العربية كمدخل أساسي يساعد على فهم النصوص الأساسية من كتاب وسنة للتفاعل مع تعاليم الدين، لكن هذا الاهتمام ظل قاصرا عن بلوغ مرحلة التمكن من ناصية اللغة العربية تمكنا يساعد على إنتاج معرفة أو فكر بصبغة الثقافة المرابطية حتى دخول بني حسان المعقلية القادمة من اليمن مرورا بصعيد مصر، وقد استطاع بنو حسان نشر لهجتهم الملحونة من اللغة العربية في كافة المدن والبوادي في الفضاء الصحراوي مما قضى تدريجيا على اللهجات الأخرى بربرية وآزيرية وغيرها .

ولأن اللغة مكون واحد من مكونات النسق الثقافي عموما فقد سعى بنو حسان إلى نشر مظاهر ثقافية تناقض – أو تقابل – مظاهر تقليدية أثيرة لدى سكان الصحراء من صنهاجة، مثل نشرهم عادة إطالة اللِمم <جمع لمة> مما يستدعي حسر اللثام الذي كان يغطي وجه ورأس الصنهاجي، وتعوده حتى إن التعرف على قتلاهم بعد المعارك يتطلب إعادة اللثام لأنهم لم يروا وجوه بعضهم أبدا ، كما احتكر بنوا حسان لأنفسهم حمل السلاح، بعد صراع طويل مع الفئات المحاربة من صنهاجة، فأخضاعوها وتميزوا عن الأتباع والعامة باسم " العرب" وجعلوه محرما على غيرهم .

وعلى هذا " تدل أوصاف الرحالين الأجانب والمسلمين أن بني حسان كانوا قريبا من نهاية القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، قد حكموا قبضنهم على المجال الموريتاني وصاروا يراقبون تجارة المدن ويفرضون الإتاوات على قبائل صنهاجة" [12]

وإلى هذا الوقت المشار إليه أعلاه مازالت اللغة تعنى بمهمة التواصل فقط، بينما سنرى لاحقا أن عملية التعريب المحكمة جعلت من اللغة العربية هدفا بذاتها وليست وسيلة إلى غيرها، وللتدليل على ما وصلت إليه عملية التعريب من نتائج محمودة في هذه البلاد نودرد لشهادتين إحداهما من مشرقي عربي مسلم والأخرى من أروبي فرنسي مستعمر.

الشهادة الأولى : من عبد العزيز بن عبد الله السنبل المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم يقول " أنك قد تدهش لو مررت على راع لإبل في صحراء موريتانيا الواسعة وهو يحدو إبله بشعر امرئ القيس وعنترة، بل لما تحدث هذا الراعي نجده ملما بالقرآن الكريم والحديث الشريف، ويحفظ الانظام الفقهية واللغوية كنظم ابن عاشر في الفقه والآجرومية في اللغة "

الشهادة الثانية: من جاك بيري المفتش العام لجيش الاستعمار الفرنسي يقول : " لايوجد أي مجتمع بدوي بلغ مبلغ البيضان الشناقطة في العلم بالعقيدة والتاريخ والأدب والفقه وعلوم اللغة "

 

 

ينظر في هذا السياق :

الثقافة والفكر في بلاد شنقيط : ددود ولد عبد الله

الأصول الفكرية لحركة المرابطين : حماه الله بن السالم

  

المحاضرة الرابعة : روافد الثقافة الموريتانية

تعتمد الثقافة الموريتانية (الشنقيطية ) مثل أي ثقافة على روافد منها ما هو داخلي تعيد به إنتاج نفسها ويضمن لها البقاء ويصبغها بصبغة المحلي الأصلي وهو ما نسميه هنا الرافد الداخلي، كما أن لها روافد خارجية شرقية وغربية تجدد بها نفسها وتنفتح على الآخر ليستفيد من تجاربهوتشركه فيما توصل إليه عقلها من إنتاج للمعرفة وطرق في التفكير .

أ‌-   الرافد[13] الداخلي : تشكل الاحتياجات الذاتية للسكان المحليين، والتطلع نحو حل مجمل المشاكل المطروحة سواء على صعيد علاقة الفرد بربه (العبادات ) أوعلاقته مع محيطه (المعاملات) أو في تعاطيه مع أحواله الشخصية الآنية هي المبعث الأول على التساؤل الذي يولد ضرورة الإجابة، وتلك الإجابة إما أن تستجيب لأفق انتظار المتسائل ويقنع بها، وإما أن تحيله إلى الاستزادة والتوسع وذلك وهو ما يخلق التراكم الذي يعتبر المكون الأول من مكونات أي ثقافة .

إن العقد الضمني بين السائل والمجيب يتضمن احترام الواقع وما يحيط به من شروط وخصوصيات ينفرد بها عن غيره، وتعطيه صبغته وفرادته، فنحن على سبيل المثال حين نرى أجدادنا وهم يعيدون إنتاج المذهب المالكي، ويقصدون الشعرالجاهلي دون غيره لمحاكاته ومعارضته، فلأن واقعهم الصحراوي البدوي يملي عليهم إجابات معينة، ويتطلب منهم استجابات بعينها، غير أن إعادة الإنتاج والقراءة تلك هي ما ستحمل الخصوصية الإضافة اللتين ستمكنان لاحقا من وصف الشعر بالموريتاني والفقه بالمحلي (ولايكون الفقه إلا محليا لأنه تنزيل النصوص على واقع بعينه في مكان وزمان بعينهما) وقل مثل ذلك عن سائر الفنون التي أعيد إنتاجها على هذه الأرض المباركة.

ب‌- الرافد الخارجي : ونعني به جملة المصادر التي تشكل مرجعا لاغنى عنه للمنتسب لهذه الثقافة، أو ما يجعل من أي شخص عضوا فعالا في المؤسسة الاجتماعية مقبولا لدى الجميع والمسمى في العرف المحلي فتى.

 

يمر الفتى بأبجديات التهجي، وحفظ القرآن ورسمه ومبادئ عبيد ربه ورسالة ابن أبي زيد، والغزوات، وكم من علوم الفقه من ابن عاشر نظما إلى المختصر نثرا وعقيدة السلف مبرهنة عقلا ونقلا، وعلى الفتى قبل ذلك وبعده أن يحفظ ما شاء الله من أشعار الأولين والآخرين فصحى وملحونة، ومن محكم الأجوبة فطريفها فمسكتها.

والموريتاني الشنقيطي حين يحفظ ويفهم ويستخدم كل ذلك فإنما يعيد إنتاجه بشروح وهوامش واحمرارات وطرر، مناقشا بروح الناقد لمجمل المنقول والمعقول العربي كما وصله، وكما لم يتلق ويعاد إنتاجه في أي بقعة أخرى من العالم .

ولأن المجتمع - أي مجتمع - إنما يسعى لإعادة إنتاج نفسه، بينما يريد له المثقف التقدم من خلال استحداث مصادر جديدة أو على الأقل من خلال إعادة صياغة رسالته التي أخذ تدريجا عن المجتمع، فإن هذه العملية تسمى الدائرة الأزلية للتفاعل بين المجتمع ومثقفيه محافظة وتجديدا حسب الحيز الذي يشغله كل واحد منهما نسبة إلى الرسالة . 

 

المحاضرة الخامسة : مظاهر من الإنتاج الثقافي الموريتاني

ترجم الشناقطة كل ما مر بنا من جدية في الأخذ واستعداد لتحصيل العلم، إلى معطيات نافعة في حياتهم اليومية، فعبروا من اليومي إلى آفاق مستقبلية، ثم إلى إشباع ما ليس بالمادي ولا باليومي في نفوسهم المتطلعة إلى المعرفة وإلى العلم، تدفعهم لذلك أسئلة واستشكالات تنبع من المواقف والحوادث وحتى من عدم القبول بما قد يوهم بالوصول إلى خط النهاية.

إن من أهم علامات النجاح تحويل المادة العلمية المتحصل عليها إلى واقع عملي نافع وهو ما سعى إليه أجدادنا الشناقطة كما سنرى من خلال النقاط الآتية :

أ‌-      القرن الثالث عشر : حركة الإبداع والتأليف

شهد القرن الثالث عشر الهجري (19م) نهضة ثقافية وأدبية وعلمية في بلاد شنقيط كنتيجة حتمية للجهد الذي بذلوه في التحصيل والتنوير قبل ذلك، حيث كانت الشواهد العلمية والآثار الادبية التي وصلتنا من إنتاج القرن الثالث عشر تدل بجلاء على أنها نتيجة تراكم للمعرفة على مر أزمان قبلها، وليست ضربة لازب وقعت بين عشية وضحاها، ولقد كانت هذه النهضة من الخصوبة والغنى والتنوع بحيث فاضت عن حاجة البلاد فبدأت تشرئب لها أعناق بلاد أخرى سواء في إفريقيا الغربية أو في المشرق العربي .

يمكن الحديث في هذا الإطار الزمني عن إبداع شعري ونثري بدأ بمحاكاة النموذج الشعري الأول جاهليا وأمويا فعباسيا، ثم عرف نموا وتطورا حتى صلب عوده وعرف استقامة واستقلالا في الشكل والمضمون مما جعلنا نستطيع بكل ثقة وموضوعية وصفه بالشعر الشنقيطي في القرن الثالث عشر.

أما في مجال العلوم الشرعية واللغوية فقد أصبح بالإمكان منذ إذ تمييز مدارس لها قواعدها ومبادؤها التي تصدر عنها في الاستنباط، كما تتخذها أساسا تعتمد عليه حين تريد إنتاج المعرفة ومن تلك المدارس المميزة :

1-المدرسة اللغوية العقلية: المعتمدة على المنطق والجدل والأصول والبيان، مما أدى إلى تطوير هذه العلوم المسماة بعلوم الآلة أو المتممات، و لفت النظرإلى أنه بالإمكان التوصل إلى نتائج باهرة دون الاعتماد المطلق على الاستدلال النصي وحده وإنما بالمراوحة أو المزاوجة بينه وبين العقلي والمنطقي، زمن رواد هذه المدرسة المختار بن بونه (ت 1220) ومحنض باب بن اعبيد (ت 1277) وقد وجدت هذه المدرسة نفسها أمام تحد عظيم مثله المجيدري بن حبلل تلميذ ابن بونه الذي خرج عن آرائه وطارحه بفكر جديد يتسم بالأصولية والاعتماد على النص في الاستدلال، لكن العقليين استطاعوا – بقيادة ابن بونه – رد الوافد، وكبت جماحه من خلال مجموعة من المناورات والمطارحات التي أتت على أغلب العلوم الشرعية والفنون التعبيرية، وقد سميت هذه المطارحات بالنقاش الفكري بين المتصوفة المعتمدين على الأدلة العقلية والنقلية بدرجة أقل، والسلفية المعتمدين على النص، وقد انتهت باعتذار صريح من تلامذة ابن بونه له، فقبل اعتذارهم مسترشدا بقوله تعالى من قصة يوسف " لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ "[14]

2-المدرسة الخليلية: وتتكون من أغلب القائمين على الفتوى والتقعيد للفقه الفروعي بهذه البلاد الذين اعتمدوا بشكل مطلق على مختصر الشيخ خليل بن إسحاق المالكي المصري، فوضعوا له الشروح والحواشي والأنظام ، وتجد هذه المدرسة مثالا لها كتاب العلامة شيخ الشيوخ محمد بن محمد سالم (ت 1302 هـ ) والمسمى لوامع الدرر في هتك أسرار المختصر، وهوكتاب من سبعة مجلدات.

ولعل في المدرستين السابقتين ما يغني عن الزيادة للتمثيل على ما وصل إليه القرن الثالث عشر الهجري من نهضة ثقافية وعلمية في هذه البلاد .

ب‌- سفراء المحظرة الشنقيطية

اختص رواد المحظرة في هذه البلاد بخاصية وفرت لهم الامتياز حيث ارتحلوا وأينما نزلوا وهي القدرة على الحفظ بشكل خارق، إذ قد أثر عنهم الكثير من الحفظ وقوة الذاكرة والتعليم والإملاء منها دون الرجوع إلى الكتب والكراريس على طريقة الشافعي [15]، ومن نوادرهم في الحفظ ما روي عن عبد الله العتيق اليعقوبي (ت 1339هـ) من أنه كان يحفظ لسان العرب لابن منظور كاملا ، والطريف أنهم كانوا يحفظون نصوصا لا تعتبر من المتون المحظرية وإنما هي محفوظات لزيادة القدرات اللغوية مثال ذلك ما روي عن قاضي ولاته أحمد الولي ابن أبي بكر أنه كان يحفظ مقامات الحريري.

وبفضل هذا العلم المحفوظ في الصدور، لعب سفراء المحظرة دورا تنويريا في غرب إفريقيا وفي أنحاء اخرى من العالم كالدور البارز الذي خلدوه في المشرق العربي، مما تشهد عليه الآثار والشواهد وتبرزه كتابات عمالقة النهضة في تلك البلاد من أمثال طه حسين وأحمد حسن الزيات اللذين اتفقا على أن جهود الشناقطة الموريتانيين قد ساعدت كثيرا في تجديد ينابيع الفكر العربي الحديث، وقد خصا بالذكر أحمد بن الأمين الشنقيطي الذي بهرهم حين أملى كتابه الوسيط من ذاكرته جوابا عن سؤال حول الشعر في بلاده، ومحمد محمود بن التلاميد الذي يشهد على جهده جناحه في دار الكتب المصرية بالقاهرة، والذي كان معتمد جل محققي كتب التراث، حيث لاتكاد مقدمة كتاب من تلك الكتب تخلو منه منوهة، وقد قال عنه طه حسين: " كان أولئك الطلاب الكبار يتحدثون بأنهم لم يروا قط ضريبا للشيخ الشنقيطي في حفظ اللغة ورواية الحديث سندا ومتنا عن ظهر قلب ..... وكانوا يذكرون أن له مكتبة غنية بالمخطوط والمطبوع في مصر وأوروبة " [16]

ولعل في المثالين السابقين ما يدل تمثيلا لا حصرا على ما ذهبنا إليه من أن الحفظ والذاكرة كانا المعتمد الأول لسفراء المحظرة في نشر العلم والتفوق على أضرابهم من العلماء في ساعات الشدة عند المناظرة أو المحاضرة.

ج- التصرف في الأشكال والمضامين :

ومن أمثلة العبور والتجاوز وهضم المعرفة والقدرة على تطويعها ما شاع من كتابة المقامة كنوع أدبي معروف بشكله، مع التصرف في مضمونه بما يخدم هدف المحظري تبليغا لرسالته، واستعراضا لقدراته العلمية واللغوية، وإحاطته بالفنون التعبيرية، أما المثال الثاني الذي سنتوقف معه فهو فن "القف"[17] كنوع أدبي جديد للتعبير عن المستجدات اليومية في الواقع ونقده، على شكل أحكام فقهية بها بعض الجد والكثير من الهزل، وهي بذلك كله تنبئ عن قدرة على استغلال المتاح والاستفادة من الوارد في فهم وتطوير الموجود.

المثال الأول المقامة :" حكى المبرد عن الفراء قال: بينما نحن بمدرستنا الغراء[18] المبيحة بسر السراء، الجامعة أفنان الفنون بأصولها، المحيطة بأبوابها وفصولها، إذ دخل علينا الشتاء في برده الأغبر، ومعه جنده الأكبر، فتلقيناه بفاكهته، ورغبنا عن مفاكهته، لأنه رقم لوح الجو، ودون في صفائح الدو، وكتب باب الاعتكاف، وما من كافاته كاف، وجد في درسه وقرن بين يومه وأمسه، إلا أنه لبس بعض التلبيس، بدوي ذلك التدريس، فأصبح الفقيه يصلي بكل كثيف، ولو لم يكن بنظيف، ويتنفل في الكنيف، وكاد يقصر الشاهد، ويصلي القادر وهو قاعد، واختار الصائم التدفي عن التبرد، والتدثر عن التهجد، واستباح الوصال، ولم يترقب الأسحار والآصال، وغدا الأصولي معلق الهموم بتخصيص ما في البرد من العموم، يقيد مطلقه بظواهر يديه، ولم يخرج الصوفي إلى حيز التجلي إلا إذا كان يصلي، ولا يسلك المسالك، ولا قدح عليه في ذلك، والمحدث لايروي إلا عن ابن شهاب، ولا يروي إلا حديث أيما إهاب"

المثال الثاني القف:" باب ندب لمواطن شب، وإن بلا ثقافة، حلق لحية، وإعفاء شارب، ومقدم رأس وظفر، وتأكد إن تمتع بثقافة أجنبية. وهل يجب عند المسؤولية حلق الكل، أو يستحب ؟ خلاف. ووجب لمن عظمت مسؤوليته حلق عم، بحسب العرف، إن اختلفا أو مطلقا ؟ تأويلات...ولا يقلد مثقف غيره ولا كاتبا، إلا لكمستشرق، وقلد غيره مثقفا عارفا أو كاتبا. فإن لم يجد أو تحيرمثقف تخير، والأظهر رأيه "

 

الهوامش:


[1] -( ألقيت على طلاب كلية اللغة العربية والعلوم الإنسانية بجامعة العيون خلال العام الجامعي 2011-2012 )

 محمد سعيد ولد أحمدو : موريتانيا بين الانتماء العربي والتوجه الإفريقي ص 75- 76

[2]- نفسه ص 83

[3]- "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو" سورة يوسف الآية  100

[4]- سورة التوبة الآية 97

[5]- ترد هنا قصة الشاعر العالم محمد ولد الطلبه اليعقوبي الذي كان في رحلاته يسأل الحي قبل النزول عندهم عن القاموس فإن كان موجودا نزل وإلا واصل إلى الحي الموالي، وتدل هذه القصة على اعتناء القوم بالعلم والمعرفة دون أن يكون ذلك على حساب سعيهم لأمور المعاش.

[6]- البيت من جملة أبيات لخنافر بن التوأم الحميري، وتحكي قصة إسلامه على يد الجني الذي كان يغويه ومنها :

                                ألم تر أن الله عاد بفضله     فأنقذ من لفح الزخيخ خنافرا

[7]- المعنى الفكري والثقافي للرباط وليس المعنى المكاني ينطلق من قوله تعالى : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" الآية   من سورة

[8]- أوداغست مدينة شهدت ازدهارا عمرانيا وحضاريا وثقافيا عبر التاريخ وكانت لها علاقات خارجية مع الممالك السودانية تميزت بحركة مد وجزر تراوحت بين كونها عاصمة لدولة، أو تابعة لمملكة غانا، أما الآن فالمدينة بخيلها ورجلها قابعة تحت الرمال بالقرب من مدينة تامشكط (تامشكذ) بولاية الحوض الغربي، وقد كانت أوداغست محط اهتمام الرحالة العرب لمكانتها التجارية بين بلاد السودان وأرض السوس والمغرب الأقصى، فقد زارها البكري والإدريسي وغيرهما ممن وصف غناها بالذهب وازدهار التبادل التجاري فيها، وسيكون العبئ كبيرا على طلاب الجامعة الإسلامية بلعيون وخاصة في تخصصات التاريخ والحضارة لفك رموز الشواهد القائمة أو المحتملة للحضارات المتعاقبة على المدينة القريبة نسبيا من مقر الجامعة .

[9]- يعزو بعض الدارسين مظاهر التقدير والألقاب المحفوظة من تلك المرحلة لآل البيت في نفوس سكان هذه المنطقة  إلى مخلفات للتشيع، كما يرون أن قولنا فلان " مخارجي" لوصفه بعدم الالتزام بقواعد المجتمع هو أيضا من مخلفات المذهب الخارجي .

[10]- ياقوت الحموي : معجم البلدان ، دار صادر ، بيروت لبنان ، ط2 1995، ص 278

[11]- حماه الله ولد السالم : تاريخ موريتانيا مرجع سابق ص 49

[12]- تاريخ موريتانيا مرجع سابق ص 111

[13]- الرافد مجرى الماء، أوهو النهر، جمعه روافد ومنه سمي العراق ببلاد الرافدين لأن به دجلة والفرات، وفي التاريخ الثقافي العربي تعني المرافدة الاستعانة بأفكار شعراء آخرين في تكوين النقائض، فكأن الشاعر المعين يرفد الشاعر المستعين كما يرفد النهر البحر أو المحيط (الأنهار هي التي تغذي المحيطات على عكس ما قد يتبادر للذهن) .

[14]- سورة يوسف الآية رقم  92

[15]- في قوله : علمي معي حيث ما يممت يتبعنــــــي               صدري وعــــــــاء له لا جوف صندوق

                  إن كنت في البيت كان العلم  فيه معي               أو كنت في السوق كان العلم في السوق

[16]- طه حسين:  الأيام ، دار المعارف ، القاهرة ،ج1 ص154

[17]- "قف" في الأصل فعل أمر من فعل وقف، ويراد المقدار من مختصر خليل الذي على الطالب أن لايتجاوزه في التحصيل اليومي حفظا ودراية .

[18]- يعني المحظرة

إضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة موريتانيا © 2015
 

عن الموقع

تهدف الإذاعة لترسيخ القيم التي أقرها دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، والرقي بالثقافة والتراث الموريتاني إقراء المزيد ...

القائمة الرئيسية