إذاعة موريتانيا الثقافية - الفتوة

الحكايات الشعبية

الحكايات الشعبية الموريتانية: مخزون سردي يختزل التاريخ

المختار بن نافع

تختزن الحكايات الشعبية الموريتانية تصورا خصبا للحياة يعكس رؤية المجتمع الموريتاني القديم ومراحل وروافد تشكل ثقافته، هذه الحكايات التي تعتمد أسلوب الحكي السردي ويطبعها الطابع الميتودولوجي تتعدد أغراضها ولكن الهدف الإرشادي والتعبوي يغلب عليها.

في الأدوار البطولية وشخصيات الحكي تحضر الشخوص الميتافيزيقية والحيوانات وخاصة تلك الأكثر التصاقا بالوجدان الشعبي (الحيوانات الأليفة والحيوانات المفترسة) وتحتضر كذلك الشخوص الإنسانية ولكن بأدوار ذات طابع خارقة.

وتقوم الفكرة التي تشتغل عليها الحكاية الشعبية على نظرية الصراع بين الخير والشر الذي ينتصر فيه الخيرون في الغالب، وهناك أفكار فرعية تخدمها هذه الحكايا من قبيل التحلي بالجد ونبذ الكسل والصبر على مشاق الحياة، وهي أفكار تتصل بنمط عيش السكان وتقوم على "التعويض الرمزي" للنواقص المادية في حياتهم والشحن الروحي للتغلب على صعاب حياة الصحراء

نماذج من الحكاية الشعبية الأسطورية:

1- ثمن الصبر :
(ذات يوم سافر سبعة رجال على سبعة جمال تحمل ملحا للبيع فسقط ولد من أعلاها وأخذ يبكي؛ فأخذه رئيس القافلة ووضعه على فخذيه وأسكته ثم حمله على جمله وذهب به.

ولكن الولد لم يزل يبكي بكاء شديدا، وبعد أن قطع الرجل مسافة قصيرة تهاوى جمله ميتا فحمل الطفل على الجمل السادس لكنه مات بعد خطوات فالخامس إلى أن بقي لهم جمل واحد!!

حار رئيس "الرفقة" فطلب من أصحابه أن يعودوا إلى القرية لإحضار جمال، وعندما بقي الرجل والولد وحدهما أمره الولد أن يضرب شجرة كانت أمامه بعصاه يمينا ويسارا ثم يعود. ولما ضرب الشجرة وفتح الأكياس وجدها معبأة ذهبا مكان الملح ففرح الرجل واغتبط.
قال له الولد أنا مرسل إليك من ربك وهذا جزاء صبرك وتحملك، والآن اذهب إلى القرية لإحضار جمال أخرى تحمل عليها ذهبك وتتصرف فيه كما يحلو لك).

2- إنسي وجني:
"يحكي أن رجلا كانت له زوجة شريرة تدعى فاطمة، وكانت تنغص عليه عيشه ببذاءة لسانها وسوء سلوكها.
صبر على حاله زمنا حتى عيل صبره فقرر أن يهرب من بلاد هي فيها.
انتظر حتى كان ذات ليلة فأطلق ساقيه للريح، وبينما هو سائر رأى أمامه خيالا يقترب منه، فاشتد فزعه حين سأله الخيال قائلا:
من أنت يا هذا؟
فأجابه على الفور إني إنسي وقد سئمت معايشة زوجتي وإيذائها لي فقررت الهرب.
تدخل الخيال قائلا وأنا كذلك جني لي زوجة تدعي فاطمة وقد بالغت في إيذائي فقررت الهرب فلنترافق إذن، سأحملك إلى أقصي مكان وسنتعاون على العيش، فعليك أنت أن تدعي البركة وتكون راقيا خبيرا للجنون أما أنا فسأكون من يمس الناس إلى أن يصيبهم الجنون.
وصل الرفيقان إلى مدينة وقدم الإنسي نفسه على أنه طبيب ماهر للأرواح الخبيثة، وفي كل مرة كان صديقه الجني يخالط رجلا أو امرأة فيطلب الإنسي من ذويهما أن يعطوه ديتهما وحين تسلم الدية يكتب الراقي تميمة الشخص المجنون فيخرج الجني فورا ويعود الشخص إلي صوابه، وهكذا بقيا علي هذه الحال حتي حصلت لديها أموال من أكثر من خمسة عشر شخصا.
وفي أحد الأيام أصيبت ابنة السلطان بالجنون وجاء تابعها الجني إلي صديقه الإنسي وحذره قائلا إياك أن تعرض لهذه الأميرة فإني أريدها لنفسي، رضخ الإنسي لتحذير صديقه، ولكن السلطان استدعاه وطلب منه أن يداوي ابنته فاعتذر الإنسي وقال إن هذه الحالة متعذرة ولا أعرف رقيتها.
غضب السلطان من الطبيب وهدده بقتله إن لم يشف ابنته، وحين عرف الرجل أنه مقتول لا محالة طلب من الملك أن يمهله حتى وقت صلاة المغرب فقبل الملك. ذهب الإنسي بعيدا وجلس مليا يفكر وقال في نفسه لقد أعطاني الله نعمة العقل فيكفي أني عاقل ولا أحتاج إلي هذا الجني الناقص العقل حتى أخلص منه المريضة و أتخلص منه
بقي سحابة يومه وحين افتقده الجني ذهب للبحث عنه حتى وجده فبادر قائلا لماذا أنت هنا؟
فأجابه الإنسي كنت أبحث عنك لقد وصلت الفاطمتان وأرسلتاني في طلبك ولا يمكن أن أرجع إلا وأنت معي، فزع الجني وقال له قل لهما إنك لم تعثر علي وفر بعيدا بعيدا، ورجع الطبيب إلي المدينة وقد شفيت الأميرة وأجزل له أبوها العطاء وعاش متمتعا بثروته الوفيرة.

3- البنت والأسد:

يحكى أن حيا سكن قرب عرين أسد، وذهبت مجموعة من فتيات الحي يحتطبن فمررن قرب العرين وتقفي الأسد أثرهن وإذا بإحداهن غاية الجمال والملاحة فعدا عليها وأخذها معه وأسكنها في عرينه، ولما يئس منها أهلها ولم يعودوا يسألون عنها صار الأسد يتركها حتى تنام ويذهب للصيد، واعتاد علي هذا حتى أنسته الفتاة وحل زمن صوحت فيه الأزمنة ورحلت الأحياء ولم يعد الأسد قادرا علي الرجوع من صيده إلا بعد ليلة ونهار. وبينما الفتاة الجميلة تتلهي قرب العرين إذ رأت غنما ترعي حولها فعرفت راعيها وذهبت معه إلي أهلها.
عاد الأسد فإذا الفتاة قد هربت فاشتم أثرها وتبعه إلي خيمة أهلها وأراد أن يستعيدها فإذاهم يحيطون بها وهي تحدثهم بأن الأسد وحش كبير متين قبيح المنظر فخاطبها قائلا:

يا بغيتي ومرامي

لا تفحشي في الملام

فالجرح يشفي ويبقي

نزيف جرح الكلام

وأخذها الناس مثلا، و لم يزل الأسد يراقب الفتاة عن بعد ويتحين الفرص حتى انتهز يوم رحيل أهلها فاختطفها علي حين غفلة منهم وأعادها إلي مغارته". (نقلا عن كتاب موسوعة الحكايات والأساطير الشعبية الموريتانية)

استنطاق سوسيولوجي:

تطفح هذه الحكايات الثلاث بما قلناه عن المضمون الأسطوري للموروث التقليدي الموريتاني في مجال الحكي السردي وعلاقته بالظواهر الاجتماعية ونمط العيش ويتضح ذلك من خلال الملامح الآتية:

طاقة روحية في وجه المصاعب:

فمن خلال قيم التحمل والصبر التي تطفح بها القصة الأولى نجد الحكاية تسعى إلى بث الطاقات الروحية في أفراد المجتمع لمواجهة إكراهات نحلة العيش الصحراوية التي تتسم بالقساوة والشظافة في معتادها فضلا عن مفاجئاتها التي تقضي على الوسائل البدائية والبسيطة لدى السكان البدو (نمودج موت جمال القافلة).
إن الحكاية الشعبية هنا منهاج تعليمي وتربية سلوكية هدفها غرس قناعات وأخلاق عملية لمواجهة المصاعب، إنها طريقة ينتهجها المخيال العام للتكيف النفسي والإيديولوجي مع عوائق البيئة.

صراع اللحى والضفائر :

أما القصة الثانية ورغم أنها تتمحور حول قصة أسطورية عن علاقة ميتافيزيقية بين جني وإنسي بينهما "شراكة "من نوع خاص إلا أن "بؤرة المقصود" تكمن في "المصيبة" التي جمعت المصابين الإنسي والجني أي بعبارة أخرى قيمة الحكاية تكمن في ما تشير إليه من صراع بين الرجل والمرأة في المجتمع إن لم نقل سيطرة للمرأة (فأجابه على الفور إني إنسي وقد سئمت معايشة زوجتي وإيذائها لي فقررت الهرب، تدخل الخيال قائلا وأنا كذلك جني لي زوجة تدعي فاطمة وقد بالغت في إيذائي فقررت الهرب).

إن الحكاية هنا مليئة بالإشارات المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية داخل الأسرة الموريتانية القديمة سواء في توصيفها الظاهر لموقف الإنسي أو في محاولاتها لتبريره بموقف الجني وكأنها تريد أن تقول إن ظاهرة سيطرة الأنثى طبيعية وفي كل المخلوقات.

هواجس الأمن الاجتماعي:

أما القصة الثالثة والموغلة إلى حد اكبر في الأسطورية فهي بالطريقة الرمزية التي تناسب ميتودولوجيتها توحي بإحساس جماعي بوحشة البيئة وتأثيره في فقدان الأمن والتعرض الدائم للضياع مما يخلق شعورا بالتطلع إلى معايشة مصادر الخطر ومهادنتها،"نموذج الأسد في القصة" كما يقرأ من خلال الحكاية ذلك الحرص الفطري في مجتمع محافظ على البنت وصونها من الأخطار وهواجس الشرف وصون الذمار تلك المشاعر التي تدفع إلى غرس قيم الحيطة والحذر والاحتشام في نفوس البنات.

إضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة موريتانيا © 2015
 

عن الموقع

تهدف الإذاعة لترسيخ القيم التي أقرها دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، والرقي بالثقافة والتراث الموريتاني إقراء المزيد ...

القائمة الرئيسية