إذاعة موريتانيا الثقافية - الفتوة

ألوان وطنية

تعريف ازوان

 
مقدمة:
إن الثقافة الموسيقية هي علم صحيح له ارتباط وثيق بالكثير من العلوم الراقية، ومن جهة أخرى فإن التدوين الموسيقي هو الطريقة الأنسب لإعطاء صورة حقيقية وراقية عن هذا الفن. فمن ذلك يمكن أن تتوارثه الأجيال بعد الأخرى بدون تحريف، وأن يعزف ويقرأ ويكتب عنه إذ أن موسيقى بدون تدوين كلغة بدون كتابة، وعبر تاريخها الطويل حظيت الموسيقى الموريتانية الحسانية بنسيان واسع وعزوف بدأت أماراته تظهر متمثلة في هجر الكثير من أبناء هذا الوطن للاستماع لها متخذا الألوان الموسيقية الأخرى –عربية كانت أو أجنبية- بديلا لها نتيجة عدم استيعابهم للمطبق منها في ظل غياب النظري المقروء.
وقد حاولنا في هذا البحث الوقوف عند بعض التفاصيل الموسيقية الهامة والتي لا يدركها إلا المتخصصون، وبناء عليه قدمنا تعريفات وإيضاحات لمختلف مصطلحات ومفاهيم هذا الفن، بالإضافة إلى الوقوف بإسهاب عند مقاماته وموافقاتها الأدبية ومتعلقاتها من آلات موسيقية وفنية، كما ألقينا نظرة على الأصول التاريخية لهذه الموسيقى وأبرز مراحلها في المحيط الموريتاني، بدءا من نشأتها في القديم إلى واقعها في عهدنا اليوم.

السلم الموسيقي الحساني وما يغنى فيه
ينقسم السلم الموسيقي إلى خمس مقامات أساسية مرتبة حسيب ما يلي وهي(كر، فاغو، لكحال، لبياظ، لبتيت) سنتاولها في مايلي مفصلة حسب الترتيب:
كَرْ:وهو المقام الأول من السلم الموسيقي الموريتاني.وهو ظهر الفرح وبه يبدأ الفنان مجلسه الموسيقي، وينقسم بدوره إلىقسمين:
أ ـ كر ّلكحل" وبه تكون الأوتار الموسيقية تميل إلى الصوت الأسود مصطلحا عندهم، حيث يغنى فيه من الشعر الحساني (لغن) بأبحر (ابتوتة) محدودة كا"مريميدة" الكحلة و"الواكدي" ويتناسب معهم مع أبحر شعرية أخرى فصيحة كالوافر مثلا، وسنورد مثالا على ما يغنى فيه من (لغن):
من "امريمده":

صيدات عاكب ملكانَ
كالولك اني نبغيهمْ
الله يعمل مولانَ
يعفي اعلي واعليهمْ

ومن "الواكدي":

لبلاك بالحَلفَ غلظلُ افتيلك
والغلْظ للًهْ والعبد الا امثيلك
يل اتشوف اعشاك من وجه امكيلك
عياط لحصيد الا اهجان
وأخير من ليل الناس اتكول ليلك
كوم احمارك راص اسفان


ب ـ كر "لبيظ": وهو (سيني) ويغلب عليه طابع الاسترخاء في الشدو وهو أيضا بدوره يتناسب عندهم مع أبحر أخرى ك "بوعمران" ومن الفصيح "البسيط" وغيره من الأبحر التي تمتاز بالقوافي الممدودة موسيقيا وسنورد مثالا على ما يغنى فيه من (لغن)الحساني
من:"بوعمران" :

يالرب ارحم يالرحيم
شيخ راحم باعيالك كان
ما يجلج مسلم واكريم
اٌراسخين افكلب لمان


2ـ" فاغو": وهو المقام الثاني من المقامات الموسيقية الموريتانية يمتاز بالحماسة واستعظام النفس والشدة في الترجيع (الردات) وينقسم إلى لونين هو الآخر:
أ ـ "فاغو" (لكحل) وهو مقام الحماسة عندهم وقد كانوا ينشدونه قديما في الحروب لحملهم على الضراب وغالبا ما ينتصب فيه الشادي واقفا ليتناسب الوقوف مع الحماسة المطلوبة وينشد عندهم للشيخ والأمير وصاحب المنزلة ودخول العريسين إلى قاعات الحفل الزواجي، ينشد فيه من الشعر الحساني "البت الكبير" و"مومايت البت الكبير" و"اتكسري" و"الرسم" و"مومايت الواكدي" وهي أبحر حسانية تستخدم عادة لغرضي : الفخر والحماسة، كما تنشد فيه أبيات من الشعر الفصيح ، بل ويغلب فيه انشاده.
ب ـ فاغو (لبيظ) وهو (سيني فاغو) ففيه تنزل حدة الترجيع (الردات) وتستوي النغمات الموسيقية ليأخذ الشادي في إنشاد أشعار تتناسب مع الشوق والوجدان وتذكر الماضي، وفيه ينشدون بحرا واحدا من الشعر الحساني (لغن) وهو بت لبتيت التام ، ومثاله :

لحباب ابعادو يلجواد
الكبلى منهم والتلى
واكراب لوكار اللي زاد
هوم هوم لوكار اللى

ومن الفصيح كل بحر يجد الفنان فيه القافية الطويلة لتسمح له بنفس أطول يتلاءم مع طبيعة المقام.
3ـ لكحال: وهو المقام الثالث من المقامات الموسيقية الحسانية وهو أيضا مقام من مقامات الشوق وهو الجزء الأول من ظهر (سنيمة) يمثل الجانب الأسود، وفيه ينشد بحر واحد من الأبحر الشعرية الحسانية (لغن) وهو (اسْغيَرْ) بنوعيه (العادي) و"تيكادرين" مثال ذلك:
من "اسْغَيرْ"

حد امنكز بعد ميدي
ذاك الا كافيه
خديجة منت سيدي
لَ شارات اعليه

وقبل أن ندخل في تفاصيل المقام الموالي وهو مقام (لبياظ) سنورد هنا لونا آخر لا يعدونه مقاما مستقلا بذاته ولكنه بمثابة الجسر الفاصل مابين المقامين وهو:
ـ ّّّّّازراك:الذي يعتبر لونا طارئا يخلط مابين النغمتين "البيظة" و"الكحله" فيمزج فيه المغني بين الترجيعة ذات الطابع "الأكحل" والطابع "الأبيض" ويغلب فيه الغناء بالشعر الفصيح وقد يغنى فيه بالبير مثلا.:

لحت العين اعلَ تيوْشات
واعلَ بخواك وانزوات
ظلت دمعتها ماركات
لازمْهَ تعرف لامَ
كانت تلتم او لاتلات
تلتم ايل القيام


4ـ لبياظ وهو المقام الرابع في السلم الموسيقي عندهم وهو أقوى المقامات تناسبا مع ذوق الجميع وهو المقام الذي إذا جمعنا بينه وبين المقام السابق (لكحال) سمي المقامان ب"سنيمة" وهو - أي لبياظ- قسمها الثاني وتفصيلا فيه فإننا نقسمه إلى لونين هما:
أ‌- الأول وهو لبياظ العادي ويغنى فيه بأبحر (ابتوت) لبير بأنواعه
مثلا: لبير العادي:

لعاد البيك الا اشواش
ولل عكل بيان
عز اغلان ذكاع لاش
كامل من عز اغلان


ابير "تاطرات":

ماخالك نوم اولاكعاد
اغلان ظفرت ظالل
مرت بالعكل الين عاد
فاصل فاحجاب الظالل

ابير"تيكادرين":

نعرف ليل فوك زيرَ
كاعد بينات اشويبتين
بين البدع اوبامير
لاهي ايغنولي ذاك زين

"مومايت"لبير":

هذ لبير افذي اطريكْ
والبدع الماهُ زاحلْ
عاد امفكًدْن بآوليك
واهل الساحل من ساحل


ب‌- اللّيّن: وتتغير فيه النبرة الصوتية لتكون أكثر سلاسة، فينشدون فيه الأشعار الغزلية والنسيب وغيرهما مما رق أسلوبه وانسابت معانيه كأشعار نزار قباني وامريء القيس وابن الملوح وغيرهم، وقد ينشدون فيه أيضا من الحساني "لبير" و"لبتيت" عند بعضهم، وقلما ينشد فيه غير الفصيح، ولا ترقى المسألة لدرجة القاعدة المتبعة.
5ـ لبتيت (بيكي) وهو المقام الخامس والأخير، حيث يتلاءم مع الحزن والشوق أحيانا وينقسم غلى قسمين :
أ‌- لبتيت لكحل (بيكي لكحل) وفيه تشد الأصوات الوترية لينشد فيه ببحر "لبتيت" : (التام، الناقص)، وغيرهما من "ابتوتة" مجموعة "لبتيت"، ويكون فيه (آمنكري) الترجيع عاليا جدا وسنورد مثالا على "البتين" اللذين ينشدان هنا في الغالب:
مثلا:"لبتيت"التام:

حد اصيل افتكانت شام
نافدها لاكي عنه عام
واعمل بلياليه اوليام
لين الحك منه بل امنين
عاد ايبانولو روص اخشام
اطرك تكانت متحدين
ينباو اويغباو افلغمام
اوهومَ كاع الامشيوفين
مايبك شوق ادرس ماكام
اولايبك فالعينين اخزين
اولايبك منثور افلكلام
ماجاو الفاظُ منظومين
يبكَ ماودَّ حق اتراب
ماهي كيف اتراب اخرَ زين
اولاحق امللي زاد احباب
ما ينجبرو فابلاد اخرين



لبتيت (الناقص):

بسملحيل ذ الفات
ننساه افعرفات
من لمكيل اولمبات
الليِ ماهو حافِ
واجماع واشويات
ننساهم!؟ باخلافي
هذ ماني ناسيه
او، لاني منو وافي
وايتم اللي خاطيه
فخلاكي فيافي


ب‌- "لبتيت" (لبيظ): وفيه تظهر الرخوة والانسياب على الترانيم الموسيقية كما تظهر على شدو المغني فيبدأ بالغناء بما يتلاءم مع طبيعة المقام الوجدانية ويغلب فيه الترديد لأشعار الشوق والرثاء وغيرهما، وينشد فيه من الشعر الحساني بمجموعة لبتيت كلها وسنورد بعضها ـ من المغنى به في هذ المقام ـ في مايلي إكمالا للفائدة وقد أوردنا منها "البتان" السابقان("لبتيت"التام، والناقص) والبقية نماذجها في مايلي مرتبة حسب عدد المتحركين:
"احويويص"(بت اربعة):

حزمك يمنـــت
الناس احمَ
من شِ للمــتـ
ـعين لعم



حثواجراد(بت خمسه):

مريم بالثبات
عنه دلالي
انزكتو مرات
يغير ابال


وبذلك نكون قد أكملنا الترتيب العام والواقعي الذي يسلكه المغنون الموريتانيون.
*- يعتبر هذا الترتيب الذي أوردناه هو الترتيب السليم والمتبع عموما في هذه الموسيقى الحسانية فالفنان إذا ما أراد في بعض الاستثناءات أن يبدأ بمقام ليس هو المقام لأول مثلا (فاغو) فإنه سيواصل مع بقية المقامات بالترتيب ولا يصح عندهم قلب هذا السلم فذلك خرق للعادة والذوق.
*- كثيرا ما يبدأ المغني في كل هذه المقامات بالهيللة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم استفتاحا كما يختم أيضا كل قطعة غنائية (الردات) بذلك.
*- المقاطع الموسيقية الموزونة التي تخضع لإيقاعات موسيقية وأخرى مصدرها آلة الطبل هيالموسيقى الحسانية: الأصول والمقامات الأشوار) أو(انحاي) وتكون كلماتها حسانية وهي (الأشوار) وعربية فصيحة وهي (انحاي) وتلك الكلمات هي المسماة عندهم ب(ظهْرُ الشَوْرْ) وتتردد هذه الكلمات مابين "الكيفان" وعلى لحنهم، كما أن "الكفان" أيضا يكون رويهم في الغالب على نفس روي الكلمات مثال ذلك مايلي:
"يَوْكِي الًل انْحَجُو بَحْرَ الِنيْلْ"
فهذا هو (ظَهْرٌ الشًوْرِ) يتركب من ثمانية متحركين، ورويه لام ساكنة بعد سكون ميت بالياء، فجاءت الكيفان في الشور على نفس المنوال مثال:

يَلْعَكْلَ اَلًا تَمْ الشَّظَّفْ
سابَكْ تَلْكَ سِبَّتْ لَكْتِيْلْ
وَامْنَيْنْ اتْراهَ زَادْ اَعْرَفْ
عَنْ مَتَاعْ الدُنْيَا قَلِيلْ

فقد جاء روي الكاف على روي الكلمات "ظهر الشور": لام ساكنة وقبله سكون ميت بالياء، وقد نجد(شورا) كلماته أو كيفانه من بحر لا يغنى في ذلك المقام الذي لُحِّنَ (الشور) فيه ،وذلك لأن (الأشوار) المغناة لا تخضع لتلك القاعدة فنجد أغنية(شورا) كلماته من "لبير" مثلا ويغنى به في مقام "كر" مثلا وقس على ذلك.
*- الأداء عند المغنين هناك دائما ما يكون مرتبطا بجلسة أدبية يحضرها الجميع وهو ما يجعل هذا الفن يمتاز عن غيره بإشراك المستمع الحاضر فيبدأ الشعراء بقرض "الكفان" في نفس الغرض الذي تتناوله كلمات (الشور) وقد يخرجون على ذلك فيتغزلون على الحاضرين من نساء مغنيات وغيرهن ويشيدون أحيانا بأداء الفنان أو الفنانة وليس في ذلك من حرج عندهم


الآلات الموسيقية الحسانية
"صفاتها ومميزاتها"
1- التيدنيت:
وهي الآلة الأصيلة في (أزوان الحساني) وتتكون من حوض صغير مستطيل يتخذ من شجر آدرس غالبا، ومن جنبة وهي جلد رقيق تجتمع أطرافه بعضها إلى بعض كغطاء للحوض بأسلاك من عصب مأسورة على ظهر الحوض ومن عود في أعلى الحوض في غلظ الأصبع وطول الشبر فأكثر، ومن أربعة أوتار وتعمل غالبا من زغب أذناب الخيل أو من مادة ابلاستيكية في هذا العصر ويسمى الوتران الأوسطان والطويلان بـ(المهرين) وأحدهما (مهر) ويسمى الطرفان أي الوتران القصيران على طرفي المهرين بـ(تيشبطن) واحدهما (تاشبط) يكون الأعلى منهما أقصر من الأسفل (عدد الأوتار في التيدينيت أربعة او خمسة عند بعضهم)، ومن حربة وهي قصبة من نحاس فيها حديدة تجعل في رأس الحوض فيها دائرة من حلق صغيرة ومن (تامنانت) وهي عود يمد على وسط "الجنبة" ومن الدبوس وهي عود آخر تناط بأحد أطرافه رؤوس الزغب وطرفه الآخر متصل بالعود الأعلى الذي في رأسه الحربة وتحرك أوتار "التيدنيت" بـ"الظفر.
وفي التدنيت تسمى المقامات (اظهوره) بتسميات مختلفة تبعا لكل (جانبة) حيث تعزف التدنيت على ثلاث "جوانب" (الطرق):
ـ الطريق "البيظة": لون أبيض يغلب فيه أسلوب العرب فسواد "كر" يسمى فيه بـ"مكه موسى" ورديفه (الفائز) ويسمى بياض فاغو بـ"اسروزي" ورديفه (الحر) ويسمى بياض "سنيمة" بـ"لحجب" ويسمى بياض "لبتيت" بـ(لعتيك) أو "المتقارب" وهذه هي الطريق "البيظة"
ـ الطريق "الكحلة": وهي اللون الأسود الذي يغلب فيه أسلوب السودان فمقام "كر" فيها يسمى بـ(انتماس) ورديفه "سيني كر" وفاغو "تنجوكة" ورديفه (سيني فاغو) ولكحال يسمى فيها بـ(هيبة) ولبياظ يسمى بـ (مغجوكة)أو(اغوراس)عندبعضهم ولبتيت يسمى فيها بـ(أعظال).
ـ الطريق" لكنيدية" وهي لون متركب من اللونين السابقين وأقوى منهما وتسمى عندهم بـ (الجانبه العاقر) أي أنها لا تحتوي على (أشوار) خلافا للسابقتين، ويسمى فيها "كر" بـ (أنوفل) وفاغو بـ(اشبار) و لكحال بـ(الموسطي) أو (اتزخريف) ولبياظ بـ(منجلة) ولبتيت بـ(بيكي لمخاللف)
*- كل هذه الألوان الموسيقية والتسميات تتعلق بهذه الآلة (التيدنيت) لا غيرها ويعزف فيها أوزان موسيقية تخضع لإيقاعات في بعض الأحيان لها تسميات وشواهد تنبئ عن تعلق الموريتانيين بهذه الآلة وهي: (أشوار التيدينيت)، ويتبارون في معرفة أسمائها وشواهدها، والذي يسمي (شورا) بعد أن عزف وطرح كسؤال فهو: (حاص الشور) والمسابقةالموسيقى الحسانية: الأصول والمقاماتحوص الأشوار).
2ـ آردين:
وهو الآلة النسائية التي تختص بضربها المرأة في العائلات الموسيقية هناك، وتتميز هذه الآلة بقدمها وبأنها (جامع آنكار) وتتكون من قدح كبير، يصنع من مادة خشبية يلف بجلد مدبوغ وبعد ان يصبح كهيئة الطبل التقليدي يؤخذ فيجعل عليه عود ليس بالرقيق ولا بالغليظ يقسم سطح القدح الدائري إلى نصفين، يثبت فيأخذ بعد ذلك عود طويل نسبيا فيثبت عند أحد رأسي العود السابق بشكل يجعله شاقوليا او مائلا قليلا على العود الآخر وتثقب فيه ـ أي العود الطويل ـ ثقوب تزيد في بعض الأحيان على اثني عشر ثقبا فتدخل فيها مسامير صغيرة، وتشد الأوتار المثبتة في العود الأول لتكون أطرافها الأخرى مثبتة في تلك المسامير وذلك لتستطيع العازفة أن تشدهاـ والعكس ـ متى شاءت بمجرد أن تحرك تلك المسامير بشكل لولبي تبعا لما يتطلبه التحول وهو (التبرام) من مقام موسيقي إلى آخر.
وأوتار هذه الآلة تتخذ من زغب أذناب الخيل في القديم وأصبحت الآن تتخذ من مادة ابلاسيتيكية وأخرى حديدية في بعض الأحيان.
ولتزويق هذه الآلة تتخذ النساء الحناء وغيرها من الأصباغ لزخرفة الأدمة البيضاء على ظاهر القدح الآنف الذكر الذي هو قاعدة "الآردين"، كما تتخذ الحلق الصغيرة من حديد فتثبت في دوائر على سطح قاعدة الآردين حيث تصدر أصواتا عند ضرب العازفة للأوتار والطبل الذي قد يتخذ كذلك لإصدار إيقاعات موزونة إذا لم يوجد طبل مستقل لذلك.
*- هذه _أي التيدينيت وآردين_ هي الآلات الموسيقية الأصلية في الفن الحساني القديم، وقد توجد آلات أخرى قديما لاكنها في الوسط الموسيقي ليست بالمعتمدة في العزف فهي تختص بأناس يعزفون عليها في الأرياف وعند الرعاة مثل :
ــ "النيفاره":التي تتخذ من عصا على طول المتر تقريبا مجوفة إلى نصفها وبها ثقوب ، فيمسكها النافخ وينفخ فيها فتصدر أصواتا يتحكم فيها بوضع أصابعه على الثقوب ،ولم تعد هذه الآلة موجودة إلا في بعض الأرياف وعند بعض الرعاة وكذلك وجدت في القديم آلات أخرى مثلا :داغمبه أو داغم.
*- وتعتبر آلة الطبل العادي أيضامن الآلات الحاضرة والضرورية في المجلس الموسيقي الحساني.
كما أدخلت في العصر الحديث آلات أخرى وجدت لنفسها مكانا مهما في الموسيقى الموريتانية كآلة:
"الكيتار" :التي أدخلت قبل نصف قرن تقريبا من الآن وهي نوعان:
- الكيتارالعادي: يصدر الصوت الجهير بمجرد ضرب أوتاره وهو الأول من حيث الوجود في موريتانيا وهيئته لا تختلف كثيرا عن هيئة الكيتار الكهربائي وأوتاره من مادة ابلاستيكية.
- الكيتار الكهربائي: وهو الذي يصدر أصواته عن طريق ربطه بمكبر صوت كهربائي، ولا يختلف عن السابق إلا بخاصيته الكهربائية وأوتاره التي تتخذ من مادة حديدية في الأصل وابلاستيكيية أحيانا، وهما:- أي الكيتاران - من تصنيف "جامع آنكاره".
- الأورغ: وهي الآلة المستحدثة في هذا اللون الموسيقي الحساني فلم تك موجودة إلى عهد قريب ولكنها أصبحت تتغلغل داخل الموسيقى الموريتانية فبرزت أياد موسيقية بارعة في العزف عليها، وتجد مكانا مناسبا خاصة في المناسبات الصاخبة وغيرها أحيانا.
*- كل هذه الآلات الآنفة الذكر تخضع للسلم الموسيقي المعروف كما أنه أيضا في الموسيقى الموريتانية هناك مصطلحات معروفة على غرار كل فن آخر، وسنورد بعضا منها متعارفا عليه شارحين نظريا ما يقبل الشرح أما مالم نشرحه فذلك لصعوبة شرحه نظريا أوحتى استحالة ذلك وهي: النجره، الكرصة، النفظة، البرم، الخرطة، الزمدة، اتكرديمه... إلخ
- البرم: وهو العزف المتواصل على الوتر بشكل مستمر لوقت أطول من العادي.وقد يطلق أيضاعلى مقابل ذلك في الأصوات المغنية وجمعه"أبرام".
- الخرطة: وهي الأخذ بالوتر المعزوف عليه من الأعلى والضغط عليه بشكل مستمر مع حركة بطيئة للأصبع الضاغط نحو الأسفل حيث يوجد عزف مستمر خفيف الضغط على نفس الوتر بإصبع اليد الأخرى.
- أزوان: وهو المصطلح العام الذي يطلق على الموسيقى الموريتانية.
- آمنكري: وهو الصوت الأولي الذي يصدر عن الأوتار الطويلة المسماة بالأمهار، وقد اصطلح أيضا للترجيع العالي في صوت المغني. وإذا ارتفع هذ الصوت يسمى"لعبار".
وقد كان الغناء قبل سدوم ول انجرتو وطبقته على الطريقة البيضاء ــ أسلوب العرب ــ فخلطوا به من نغمات السودان وألحانهم ونظموه كما هو اليوم".






الموسيقى الحسانية (أزوان): "التأريخ والواقع"
ليس من السهل التأريخ للموسيقى الموريتانية وذلك لعدة أسباب وعراقيل ترتسم أمام الباحث في هذا المجال التراثي الحساني، فقد اختلف المؤرخون في ذلك لشح المراجع والتدوين ،ولكنهم يعتمدون على ما بقي من الأسر الموسيقية العريقة التي ورثت الفن عن آباء وأجداد في كل ذلك بشكل شفوي وتطبيقي.
وقد توصلت كل تلك الدراسات إلى أن ظهور هذا الفن كان مع دخول المرابطين للمنطقة وترسخت مع مجيء بني حسان بعد ذلك في القرن الخامس عشر الميلادي حيث قامت إمارات ظهر فيها من يزاولون هذا الفن ويسمون عندهم ب "إيكاون" بكاف معقودة ، ومن هذه الإمارات التي ازدهر في زمنها فن العزف والغناء إمارة أولاد أمبارك في منطقة الحوضين، وقد كان الفن الموسيقي أحد ركائزها الأساسية، فيتخذ الأمراء المغنين جلساء لهم ووسيلة إعلامية لهم في الحروب وإرساء مجد القبيلة والإمارة، فكان لتلك الإمارة الفضل الأول في إرساء دعائم هذ الفن وتطويره على الذائقة الشعبية وأغلب "الأشوار"والمعزوفات ظهرت في ذلك الزمن.
ولقد ارتبط فن الغناء عندهم بالشعر الملحون أو مايسمونه: (لغن)الذي ظل المادة الأساسية الملحنة والمغنى بها بالأساس إلى يومنا هذ،
وبعدأن نضج هذا الفن وارتسمت أسسه في منطقة الحوضين الشرقية انتقل إلى منطقة الوسط(تكانت) و"اركيبة" (لعصابه حاليا) حيث نضج أكثر ووصل مرحلة الإبداع ليصل في حركته إلى ما يسمى مصطلحا ب("الكبله" :المنطقة الجنوبية) وهناك امتدت جذوره وظهرت أسر فنية راقية جعلت منه فن مجتمع بأكمله ودولة.
ويتميز هذ الفن(أزوان) الحساني عن غيره من الفنون بكونه حكرا على شريحة معينة وهي (إيكاون)عن غيرهم.
لقد عرفت أسر كبرى زاولت الفن ودرسته وأبدعت فيه قديما كأسر(أهل انجرتو سدوم مثلا و أهل اباشه، اسماعيل مثلا وأهل سلماغة وغيرهم...إلخ ) وارتبط في تلك الآونة بالأمير وكبار الإمارة من أعيان، فالفنان يمثل عندهم الدور الإعلامي لصالح هؤلاء يشيد بمكارمهم ويعبئ لحروبهم ويشغل مجالسهم بمعزوفات ليجزلوه العطاء، وقد ظل الفن على تلك الحالة لكل إمارة فنانوها من شريحة معينة حتى بعد تفكك تلك الإمارات ،ولا يمتلك الفنان من آلات العزف إلا الآلات التقليدية( التيدنيت) أما الفنانة المرأة فهي تعزف على آلة ( آردين التقليدية) التي تختص بها عن الرجل، وقد ساهم هذا الفن حينها وإلى وقتنا هذا في الكثير من إثراء الساحة الثقافية بتاريخ الأمير والإمارات ومناقب الأعيان لارتباطه بهم عن طريق التسميات التي تطلق في غالب الأحيان على ( أشوار التيدينيت ) وهي معزوفات موزونة أو لا موزونة عزفها الفنان (إيكيو) للأمير أو غيره من أعيان القبائل، كما أن الأشعار المصاحبة لتلك المعزوفات تكشف عن تاريخ وحضارة سامقة شهدتها تلك العصور
ولايجدر بنا في هذا المقام إلا أن نذكر بعضا من واقعها الحي الذي اتسم بشيء من الإنفتاح ومحاولة التجديد، فظهرت أسر تزاول الفن ومغنون لاينحدرون في الأصل من أسر فنية وأبدعوا فيها وأجادوا في ذلك على المستويين:الداخلي والخارجي، نذكر من ذلك مثلا (أسرة أهل أحمد لوله سيد محمد مثلا)ومن الفنانات المنحدرات أصلا من وسط غير موسيقي: (كمبان منت اعلي اوركان) وغيرها من فنانات وفنانين أجادوا في فن العزف والغناء ولم تكن لهم أصول فيه ليكسروا جزء من حاجز لطالما ظل مرتسما أمام الكثيرين ممن يمتلكون موهبة الغناء والصوت الشجي، وقد كثر هؤلاء بشكل مطرد في العقدين الأخيرين.
أما عن الإبداع المطلوب على مستوى هذا الفن فيعترضه الكثير من التحفظ لدى بعض من كبار الموسيقيين الموريتانيين، فهم يعتبرون هذ اللون الموسيقي يتميز عن غيره بخاصية الشمولية والاتساع إذ لا يمكن الحديث عن الإبداع إلا بعد الكشف التام عن خبايا الفن، ويتعصبون أكثر لهذه الفكرة فيتهمون من يطلقون على أنفسهم "مبدعون"ــ في الموسيقى الموريتانية الحسانية ويحاولون ذلك ــ بالسذاجة والعجز عن فهم الموروث الموسيقي الغني.
وممن عمل على تطوير الموسيقى الموريتانية وقال بضرورة ذلك : الفنانة العريقة المبدعة: الشيخة البرلمانية :"المعلومة منت الميداح" التي أنتجت الكثير من الأغاني المبدوع فيها تجاوب معها الكثير من الناس وخاصة شريحة الشباب التي تنفر من كل ما هو عتيق لتلحق بالجديد مهما كان، ولكن الفنانة "المعلومة" في ذلك كله لم تخرج عن طابع السلم الترتيبي الحساني القديم مع الالتزام بالمقامات وماتقتضيه، وقد شاركت في الكثير من المهرجانات الدولية واللقاءات الموسيقية ونالت بذلك جوائز جزيلة على الأداء الجميل.
كما أنه أيضا من جيل السبعينات ظهرت هنالك توجهات جديدة في نفس المنحى قادتها وجوه موسيقية منها من نجح في توجهاته وأدائه مثال :"محجوبه بنت الميداح" رحمها الله،و:"الحضرامي بن الميداح، و:"بتي بنت الشويخ" والفنانة المقتدرة :"ديمي بنت آبه"،
وغير هؤلاء ممن نالوا جوائز وطنية ودولية في جودة الأداء ورقيه،وحازوا استحسان العلماء في هذا المجال.
وفي العصر الحالي برزت وجوه شابة تجنح في توجهاتها إلى الكثير من محاولات الإبداع والتطوير للموسيقى والتعريف بكامنها عالميا، ويعد الموسيقار الكبير والملحن :"عرفات بن الميداح" من أبرز تلك الوجوه التي لمست ذوق الطبقات الشبابية، ولقيت معزوفاته وتلاحينه رواجا واسعا حتى لدى الموسيقيين أنفسهم.
ومن هذه الطبقة أيضا الفنانة الشابة :"منى منت دندني" التي نالت إعجاب الكثيرين من رواد الموسيقى في الداخل والخارج من خلال مشاركاتها التي تميزت في كل من تونس ومصر وغيرهما، ولا نستطيع أن نستوفي تعداد هؤلاء ممن أجادوا في فن التطوير في الموسيقى الحسانية وحازوا المراتب العليا فيه، وبالتالي سنكتفي بذالك القدر منهم.
كما أنه أيضا ومحاولة لنفض الغبار عن هذا الفن نُظِمت مسابقات وطنية كبرى في هذا المجال ظهر فيها شباب يتمسك بالأصالة في الفن مع روح الإبداع والقدرة عليه، كما هو الحال في المسابقة الكبرى والأولى من نوعها في البلاد :"النغمة الذهبية" التي حصلت على لقبها في النسخة الأولى:2010 الفنانة الشابة :"كرمي منت سيداتي ول آبه ".
أما عن العوائق الفعلية التي مازالت تعترض طريق هذا الفن نحو التطوير والإبداع المطلوبين في عصر يفرض متطلباته على كل الفنون لتسير بالسرعة والتسارع المطلوبين أو لتبقى في الحضيض الذي قد لا تكون تستحقه، فسنورد بعضا من المسوغات التي تجعل هذا الفن يتخلف عن غيره في تلك البلاد وفي غيرها، وتنحصر أساسا في النقطتين الأخيرتين :
*- غياب التمويلات والإستثمارات في هذا المجال من طرف رجال الأعمال والمعنيين وهو عائق يرتسم أمام تطور هذا الفن وظهوره على العالم، فالفنان في إنتاجاته الموسيقية لا يعتمد إلا على ما تدره عليه وظيفته في المجتمع وهي إنعاش الحفلات الاجتماعية والسياسية وغيرها.
*- كذلك غياب المحطات الإعلامية والمدارس العصرية والشهادات الدراسية في هذا المجال أمر يجعل الفنان الموريتاني وإن قويت موهبته فإنه لا يتمتع بدليل قانوني من مدرسة تسلك منهجا بيداغوجيا في المسألة، هذا إذا استثنينا بعضا من المحاولات التي تتمثل في معاهد أومدارس صغيرة بدأت في الظهور وبشكل خافت في السنوات الأخيرة تفتقر إلى الدعم.

 

إضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة موريتانيا © 2015
 

عن الموقع

تهدف الإذاعة لترسيخ القيم التي أقرها دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، والرقي بالثقافة والتراث الموريتاني إقراء المزيد ...

القائمة الرئيسية