إذاعة موريتانيا الثقافية - الفتوة

زخرفة البيوت

مدينة ولاتة أو "ولاتن" مدينة تاريحية موريتانية تقع في ولاية الحوض الشرقي تبعد عن العاصمة انواكشوط 1350 كم على الحدود مع مالي وقد أعلنتها اليونيسكو موقعاً للتراث العالمي.

نشأة مدينة ولاته

يقول المؤرخون تاريخ هذه المدينة يعود إلى القرن الأول ميلادي حيث كانت تعرف ب "بيرو"، وتوصف خلال حقبة الملثمين ب إيوالاتن أو أيوالاتن،[1] ومع مجيء الإسلام الصحراء عرفت هذه المدينة ازدهارا كبيرا، كانت محطة للتجار والقوفل القادمة من الجنوب ة أفريقيا متجهة إلى الشمال[2].

في مطلع القرن الرابع عشر في حدد 726 ه ز اها الرحالة المسلم ابن بطوطة وتحدث عن الازدهار الشديد الذي كانت تعرفه المدينة بحكم موقعا الأستراتيجي كنقطة وصل بين الا قاليم الأفريقية في الجنوب وبين الدولة الإسلامية في الشمال حبث وصف رخاء معيشة اهلها بقوله (ويجلب إليهم تمر درعة، وسجلماسة، وتأتيهم القوافل من بلاد السودان فيحملون الملح ويباع الحمل منه بولاتن بثمانية مثاقيل إلى عشرة ويباع في مدينة مالي بعشرين مثقالا وربما يصل إلى اربعين مثقالا وبالملح يتصارفون كما يتصارف بالذهب والفضة يقطعونه قطعا ويتبايعون به).2(الرحلة ص 658)

ومنذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي عرفت مدينة ولاته بداية نهضة فكرية كبيرة، وأصبحت أحد أهم مراكز الاشعاع الثقافي العربي الإسلامي، وهاجر إليها عدد كبير من علماء مدينة تومبوكتو التي عرفت قلاقل وفي نفس الظروف هاجر إليها علماء ومفكرون من فاس وتلمسان ومراكش، كما استقر بها بعض أهالي توات بجنوب الجزائر، وبعض العائدين من الأندلس التي سقطت نهائيا بيد الأسبان عام 1492. هذا الكم المتنوع من المهاجرين رفد المدينة بمصادرها الثقافية التي بقيت حتى الآن وسمح لها في نفس الوقت بأن تتحول خلال القرون الخمسة الماضية إلى منارة ثقافية وعلمية وعاصمة من عواصم الفقه المالكي، كما نجد هذه الروافد المختلفة ماثلة في العمارة الولاتية، وفي عادات سكان المدينة المتحضرة وسط عالم صحراء بدوي، مخالفاً للعادات الحضرية التي استقدمها الوافدون معهم من فاس وتلمسان وغرناطة وغيرها من الحواضر العربية العريقة في العمران والمدنية.

العمارة الولاتية

 
بيت تقليدي في ولاتة

تشتهر البيوت الولاتية بفن عمارة خاص بها مستوحى من العمارة العربية الإسلامية خاصة منها الأندلسية والمغربية، ويبدو ذلك من طراز مواد البناء، وأيضا في أنواع الزخرفة مع جنوح إلى البساطة بعض الشيء وميل إلى استخدام الخامات المحلية من فخار وجص وجليز وحجارة ملونة عالية الجودة تضمن قوة البناء وانسجامه مع المشهد البيئي العام الذي وضع ولاته فوق مرتفعات الحوض جاثمة بجلالها لقلعة تحرس هدوء الصحراء وتتبرج بجمالها في وجه المرتفعات الشامخة. وقد حاول باحثون غربيون وموريتانيون تفسير معاني لوحات الفسيفساء التي تزين جدران ومداخل البيوت الولاتية، وقد اتفقوا على عودة بعضها لفترة ما قبل الإسلام بما يحمله من اساطير وثنية في حين ان بعضها الآخر إسلامي مغربي أندلسي الملامح لحد يجعل البعض يعتقد أنه جلب من فاس أو تلمسان وهو أمر يكاد يكون متعذر الاثبات أو النفي على حد سواء.

والبيت الولاتي يضمن نوعا من التهوية الطبيعية وذلك بتقليله من الأبواب، فلكل منزل بابان لا أكثر أحدهما مخصص للرجال والضيوف، والاخر للنساء والحريم عامة، كما أن في كل بيت مجلسا يسمى محليا (درب) وهي إشارة إلى موقعه كأقرب مكان من باب الشارع حتى لا تقع عين الزائر على الحريم، وللحريم أيضا مجلس يكون بابه داخليا أي متفرعا من إحدى الغرف فقط ويسمى (السقفة) ولا يخلو بيت من دور علوي يسمى (القرب)، والسلم الصاعد إليه يكون متسعا لحد يسمح بفناء تحته توضع فيها قدور الماء لتبقى باردة.

اساطير ولاته

لولاته اساطيرها الكثيرة التي يعود بعضها إلى معجزات الصالحين والبلطجية والتجار والجواري وغيرهم ممن حل بهذه المدينة والتي ظلت الاجيال تتناقلها كتراث له مكانته الخاصة عند الأهالي. وتقاطع التاريخ والأسطورة، الحقيقة والخيال، ما كان وما يجب أن يكون, في الكثير من هذه الاساطير والحكايا، منها قصة مجيء ولي الله الصالح سيدي أحمد البكاي بودمعة إلى مدينة ولاته مطلع القرن الخامس عشر الميلادي. وتقول الحكاية ان سيدي أحمد سمي البكاي بودمعة لأنه ظل لشدة تقواه وعبادته ظل مدة اربعين سنة يبكي لأن نافلة فاتته، وعندما جاء من الشمال نازحا مع مريديه، نزلت قافلته خارج سور ولاته مساء، وكان السور يغلق عند مغيب الشمس وكل من كان موجودا خارجه تأكله السباع، وبدافع النصيحة اسرع الأهالي لتنبيه الولي ومريدي، لكنه رفض مبارحة مكانه، وجاءت السباع، وظلت تبصص عند قدميه بأذنابها مسلمة عليه، ولدهشة أهالي ولاته في الصباح عندما وجدوه حياً، طلبوا منه الاقامة معهم، وعندها انتفت السباع نهائيا من المنطقة. ومزار البكاي موجود في ولاته وهو أحد المعالم الإسلامية وبأحوازها التي تزخر بالكثير من المعالم والمزارات الأخرى الكثيرة.

صعوبات

مدينة ولاته الآن معرضة بكل تراثها الإسلامي العريق للغرق بفعل التصحر وزحف الرمال، وهذا هو سبب الحملة الدولية التي اطلقتها اليونيسكو من اجل المدن التاريخية الموريتانية الأربع. وان كانت ولاته اكثرها عرضه لواقع هجرة عدد كبير من سكانها لحد انهم لم يعودوا الآن يزيدون على الالفين نسمة، وهم الذين كانوا يزيدون على العشرات من الآلاف منذ عهود سحيقة. ولعل العزاء الوحيد في بقاء هذه المدينة العربية هو نشاط المكتبات والمخطوطات المدعومة لحد ما من اليونيسكو والمعهد الموريتاني للبحث العلمي، وهذا ما سمح بتصنيف بعض مكتباتها التي تحوي آلاف المخطوطات الثمينة التي لا تقدر بثمن على أن البعض الآخر ما زال عرضة للإهمال ويعيش حالة مزرية تهدد ان لم يتداركها الغيورون على ثقافة هذه الأمة, بأن تنقرض وتصبح اثرا بعد عين مرة واحدة إلى الابد.

 

 

إن التراث الثقافي الذي تتميز به مدينة ولاتة العتيقة والمتنوع جعل المدينة تحتل مكانة علمية كبيرة وإن كانت غير معروفة لدى الكثيرين في هذا المجال، هذه المدينة القديمة التي يعود تأسيسها إلى القرن الثاني الهجري على يد يحيى الكامل.


وقد زارها الرحالة ابن بطوطة أثناء رحلته الشهيرة واعتبرها أول عمالة السودان كما تحدث عن كرم وضيافة أهلها وكتب عنها عبد الرحمن السعدي، مؤلف كتاب تاريخ السودان، كما تناولتها كتابات مختلفة لمؤرخين موريتانيين من أبرزهم الدكتور حماه الله ولد السالم.

ورغم الاهتمام بالمدينة وتاريخها والجانب الثقافي، إلا أن الدراسات التي أنجزت حول المدينة لم تتناول الجانب المعماري والتراث الفني لهذا المعلم الأثري، وبالتالي لا تكاد تجد مختصين مهتمين بالمدينة وبهذا الجانب الذي يعتبر ذا أهمية كبيرة، في وقتنا الحاضر.

ورغم ذلك فقد تناول الباحث الدكتور أحمد مولود ولد أيده في أطروحته حول:المدن الوسيطة "الصحراء الكبرى مدن وقصور" الحديث عن هذا الجانب من تراث المدينة العتيقة، واستطاع كشف الغموض عن بعضه وقدم دراسة موضوعية شاملة وذا أهمية كبيرة بامتياز عن فن كاد ينسى ويكون طي النسيان.

وقد عُرفت المدينة بعدة تسميات ( بيرو، إيولاتن، ولاتن، ولاتة )، وهي الحاضرة الصحراوية الوحيدة التي لعبت أهم الأدوار في ازدهار التجارة الصحراوية، وتطور العلاقات الثقافية مع بلدان المشرق العربي (مصر والحجاز) والمغرب العربي، في سياق زمني عرفته المنطقة منذ القرن العاشر الهجري وحتى الثاني عشر، بفعل تطور ركاب الحج التي كان للمدينة دور كبير في تنظيمها خاصة منها "الركب الحجي الولاتي الضخم" الخاص بالمدينة الذي كانت تنتظم فيه تلك القوافل بشكل عام، كما عرفت المدينة وجود فن معماري وزخرفة بديعة لا توجد في غيرها من الحواضر الصحراوية.

ومع اختلاف وتنوع التراث الذي تميزت به مدينة ولاتة التاريخية، سنحاول الحديث عن أهم جوانب هذا التراث، مركزين أساسا على اللوحات الفنية المتنوعة والبديعة التي تميزت بها المدينة الولاتية، والتي كان لها دور أساسي مع غيرها من الزخارف الحائطية الأخرى في جعل المدينة - على غرار المدن الموريتانية الأخرى- "المدينة الأثرية السياحية بامتياز".

فن الزخرفة الولاتية:

عرفت مدينة ولاتة عبر تاريخها الطويل ثورة عمرانية كغيرها من الحواضر الصحراوية وعلى اختلاف الأزمنة التي مرت بها، فقد تميزت بتراث عمراني بديع عرفت من خلاله المدينة وجود أشكال مختلفة ومتنوعة من الإبداع النسائي فيما عرف بالزخرفة الحائطية الولاتية، وهذه الزخرفة تنقسم بشكل عام إلى قسمين خارجية وداخلية، الأولى تكون باللون الأبيض على الأحمر، والداخلية عسكها تماما، واستخدمت في هذه الزخرفة البديعة مواد طبيعية مستخرجة من المدينة نفسها (الطين الأحمر+ الطين الأبيض) بالإضافة إلى مادة الصمغ "العلك"، وطريقة صنع اللوحات الفنية تمر بمراحل مختلفة، مع العلم أن الزخرفة الولاتية هي زخرفة تقوم بها النساء فقط.

ونشير قبل الدخول في تفاصيل إحدى اللوحات الفنية الولاتية إلى أن هذه الزخرفة كانت ولا تزال تستخدم فيها فقطك المواد الطبيعية التي أشرنا إليها حفاظا على المدينة وعلى التراث الذي يحتاج إلى أكثر، وأكثر من كتابات ربما تنسى، نرغب في فعل ملموس لأننا نحتاج إلى هذه التراث الذي ربما يضيع من بين أيدينا ونحن لا ندري، هذه اللوحات الفنية أصبحت للأسف الشديد تستخدم فيها بعض مواد حديثة من أجل تلميعها، والفرق بين اللوحة القديمة والثانية، أن الأولى التي تستخدم فيها مواد طبيعية بعد نزل نزول المطر لا تتأثر بل تبقى كما هي، وأما اللوحات الأخرى فإن الأمطار تؤثر عليها وسرعان ما تزول وتنمحي بمرور الأيام، فهنا يكمن الفرق الذي نرغب في الإسراع إلى تلافيه من أجل الحفاظ على هذا الإبداع الولاتي. لوحة تسمى: طرحة لِمْشِيمْعَاتْ:

تعتبر هذه "الطرحة" - وهي من الزخرفة الخارجية - من أشهر وأجمل اللوحات الفنية التي تصنعها النساء الولاتيات ويسعى كل ولاتي إلى وضعها على منزله، وهي تحتاج إلى عملية ليست من السهولة بمكان كما يتصورها البعض حتى تكون في شكلها النهائي كما هو واضح من خلال (الشكل).

يتم صنع هذه الطرحة على شكل دائرين توضع على جانبي الباب الخارجي للمنزل، بداخلها مربعات صغيرة أغلبها ثلاثة، ثم تأتي أقواس محيطة بها، وهي بطبيعتها عملية معقدة، كما توضع على الباب زخارف مختلفة بأشكال جميلة وبديعة.

بشكل عام هذه إحدى اللوحات الفنية الولاتية والتي لا يمكن إيجادها في غيرها من صويحباتها من المدن التاريخية الموريتانية، فهل ينبغي لنا أن نشكر تراثنا ونزين ما لدينا ونسميه باسم التراث والماضي، أم أنه ينبغي علينا الاهتمام به والإسراع في الحفاظ عليه ما أمكن؟؟

كانت تلكم محاولة للتعريف بجزء بسط من هذا الفن الجميل، والتراث البديع، وأعدكم - إن شاء الله- بكتابة المزيد عن جوانب مختلفة من تراث هذه المدينة الأثرية.

بقلم: إبراهيم ولد سيد محمد

إضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة موريتانيا © 2015
 

عن الموقع

تهدف الإذاعة لترسيخ القيم التي أقرها دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، والرقي بالثقافة والتراث الموريتاني إقراء المزيد ...

القائمة الرئيسية